| |||||||
| المنتدى الاسلامى المنتدى الاسلامى - القرآن الكريم, إسلام اونلاين, قصص, روايات, مسلم. |
| مشاهدة نتائج الإستطلاع: ما هو رأيكم في الموضوع؟؟؟؟ | |||
| ممتاز | | 3 | 100.00% |
| جيد جداً | | 0 | 0% |
| جيد | | 0 | 0% |
| رديء | | 0 | 0% |
| المصوتون: 3. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع | |||
![]() |
| | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
| ||||
| | ||||
نقطة باء البسملة جاء في كتاب (مدارك التنزيل) أنّ الكتب التي أنزلها اللّه من السماء إلى الدنيا لهداية الناس وإرشادهم إلى السعادة الأبدية، إنّما هي مئة وأربعة كتب: صحف شيت (عليه السلام) ستّون، وصحف إبراهيم (عليه السلام) ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ومعاني كلّ الكتب مجموعة في الفرقان، ومعاني كلّ الفرقان ـ أي: القرآن الكريم ـ مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها، ومعاني الباء في نقطتها(1). وروى الشعراني: عن الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه أنّه كان يقول: لو شئت لأوقرت لكم ثمانين بعيراً من معنى (الباء)(2). وروى القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة) ما لفظه: وفي الدرّ المنظم: إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء، قال الإمام علي كرّم اللّه وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء. وقال أيضاً: العلم نقطة كثّرها الجاهلون، والألف وحدة عرفها الراسخون(3). وعن ابن الآلوسي البغدادي في جلاء العينين ما لفظه: في حقّ علي (عليه السلام)، ____________ 1- تفسير البصائر 1: 24. 2- لطائف المنن 1: 171، طبعة مصر. 3- ينابيع المودّة: 69 و 408، طبعة إسلامبول. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 72 -------------------------------------------------------------------------------- هو باب العلم والنقطة تحت الباء. ويروي لنا ابن عبّاس، حبر الاُمّة وتلميذ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في التفسير أنّه: أخذ بيدي علي (عليه السلام) ليلة، فخرج بي إلى البقيع، وقال: إقرأ يا ابن عباس، فقرأت: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، فتكلّم في أسرار الباء إلى بزوغ الفجر(1). وقال أيضاً: يشرح لنا علي (رضي الله عنه) نقطة الباء من {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}ليلة، فانفلق عمود الصبح وهو بعد لم يفرغ، فرأيت نفسي في جنبه كالفوّارة في جنب البحر المتلاطم(2). وجاء في مطالب السؤول ما لفظه: قال علي (رضي الله عنه) مرّة: لو شئت لأوقرت بعيراً من تفسير {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}(3). روى النبهاني في الشرف المؤبد عن ابن عباس، قال: قال لي علي (عليه السلام): يا بن عباس، إذا صلّيت العشاء الآخرة فالحق الجبانة، قال: فصلّيت ولحقته، وكانت ليلة مقمرة، قال: فقال لي: ما تفسير الألف من الحمد؟ قلت: لا أعلم، فتكلّم فيها ساعة تامة، ثمّ قال: ما تفسير الميم من الحمد؟ قال: قلت: لا أعلم، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة كاملة، قال: فما تفسير الدال من الحمد؟ قال: قلت: لا أدري، فتكلّم فيها إلى أن بزغ عمود الفجر، قال: وقال لي: قم يا بن عباس إلى منزلك فتأهّب لغرضك، فقمت وقد وعيت ما قال. ثمّ تفكّرت فإذا علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر. قال: القرارة: الغدير الصغير. ____________ 1- ينابيع المودّة: 408. 2- الحنفي في أرجح المطالب: 113، طبعة لاهور. 3- محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: 26، طبعة طهران. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 73 -------------------------------------------------------------------------------- والمثعنجر: البحر(1). روى الحافظ ابن عبد البرّ، بإسناده، عن عبد اللّه بن عباس، قال: واللّه لقد اُعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم اللّه لقد شارككم في العُشر العاشر(2). هذا من طرق العامة، وهناك أيضاً المئات من الروايات والأخبار التي تشير إلى أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أعلم خلق اللّه بعد رسول اللّه محمد، وأنّه عنده علم الكتاب، وهو القرآن الناطق وترجمانه، وهو القائل (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي أعلم بطرق السماء من علمكم بطرق الأرض، وقال: يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللّه، هذا ما زقّني رسول اللّه زقّاً زقّاً، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما واللّه لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتّى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب لفد أفتاكم بما اُنزل فيّ. وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهاراً، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه، ولولا آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: {يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعَنْدَهُ ____________ 1- الشرف المؤبد: 58، طبعة مصر. 2- الاستيعاب 2: 462، طبعة حيدر آباد، كما رواه الطبري في كتابه ذخائر العقبى، وابن الأثير في اُسد الغابة، والسيوطي في تأريخ الخلفاء، والخوارزمي في المناقب، وغيرهم. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 74 -------------------------------------------------------------------------------- اُمُّ الكِتاب}، ثمّ قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني فوالذي خلق الحبّة وبرء النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليلة نزلت، أو في نهار اُنزلت، مكيّها ومدنيّها، سفريها وحضريّها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها، إلاّ أخبرتكم. فقام إليه رجل يقال له: ذعلب، وكان ذرب اللسان بليغاً في الخطب شجاع القلب، فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لاُخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ فقال (عليه السلام): ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي عبد ربّاً لم أره، قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا؟ قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. ويلك يا ذعلب، إنّ ربّي لا يوصف بالبُعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بقيام قيامَ انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبر لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج، فخرّ عليه ذعلب مغشياً عليه، ثمّ قال: تاللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب، واللّه لا عدتُ إلى مثلها(1). فعلي (عليه السلام) وأهل بيته الأئمة الأطهار (عليهم السلام) هم صراط اللّه الأقوم وسفينة ____________ 1- تفسير البصائر 1: 187، عن أمالي الصدوق، بإسناده، عن الأصبغ بن نباتة، قال: لمّا جلس علي (عليه السلام) في الخلافة وبايعه الناس، خرج إلى المسجد متعمّماً بعمامة رسول اللّه، لابساً بردة رسول اللّه، متنعلا نعل رسول اللّه، متقلّداً سيف رسول اللّه، فصعد المنبر، فجلس عليه متحنّكاً، ثمّ شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثمّ قال: يا معشر الناس... الحديث. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 75 -------------------------------------------------------------------------------- النجاة، مَن ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى، كما ورد في الخبر المتواتر عند الفريقين ـ السنّة والشيعة ـ فما بعد الحقّ إلاّ الضلال. وكلّ ما في القرآن الكريم إنّما هو عند أهل البيت (عليهم السلام) بصريح ما جاء في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين لقوله (صلى الله عليه وآله): «لن يفترقا»، ولن للتأبيد بمعنى أنّه أبداً في كلّ شيء لن يفترقا إلى يوم القيامة، فلا نقول كما قال الرجل: حسبنا كتاب اللّه، ولا نقول كما قالوا حسبنا أهل البيت، بل نتمسّك بهما معاً. ثمّ كلّ ما في القرآن هو في حمده، وكلّ ما في سورة الحمد في البسملة، وكلّ ما في البسملة في بائها، وعلي (عليه السلام) هو نقطة الباء، كما ذكرنا لك الروايات من طرق العامة. وأمّا عند الخاصّة: فقد جاء ذلك أيضاً في كتاب (الأنوار النعمانية)(1) عندما يتحدّث الكاتب آية اللّه العظمى السيد نعمة اللّه الجزائري المتوفّى سنة 1112 هـ عن فضائل أمير المؤمنين وأنّه أفضل خلق اللّه بعد رسوله محمد (صلى الله عليه وآله)، فقال: وأمّا قوله: ومنها علم التفسير ـ أي: أنّه (عليه السلام) أعلم الناس بعلم التفسير ـ إلى آخره، فقد تحقّق في الأخبار من العامة والخاصة أنّ قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْء أحْصَيْناهُ في إمام مُبِين}، المراد به علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو الذي فسّر الباء من {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} لابن عبّاس فقال: يا ابن عباس لو طال الليل لطلناه. وفي الروايات الخاصّة ـ أقول: بل العامّة، كما مرّ ـ عنه (عليه السلام) أنّه قال: «علم ما كان وما يكون كلّه في القرآن الكريم، وعلم القرآن كلّه في سورة الفاتحة، ____________ 1- الأنوار النعمانية 1: 47. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 76 -------------------------------------------------------------------------------- وعلم الفاتحة كلّه في البسملة منها، وعلم البسملة كلّه في بائها، وأنا النقطة تحت الباء». وهذا الحديث من مشكلات الأخبار، وأكثر الإشكال إنّما هو في قوله: «وأنا النقطة تحت الباء»، ويحتمل أن يكون معناه أنّي اُبيّن علوم القرآن واُوضح مجملاتها، كما أنّ نقطة الباء توضّحه وتميّز عمّا يشاركه في الصورة كالتاء المثناة والثاء المثلثة، ويحتمل معان كثيرة لا يخفى بعضها على اُولي الألباب. والحاصل أنّ العلوم كلّها تنتهي إليه ولم يؤخذ علم إلاّ منه، والعلماء كلّهم تلاميذه... ثمّ يذكر تفصيل ذلك، فراجع. وقد رأيت الحديث الشريف في كتاب (مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين)(1) للحافظ الشيخ رضي الدين رجب البرسي، وقد عدّه بعض علمائنا ____________ 1- قال الحافظ رجب البرسي الحلي في كتابه مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام): وأمّا علم النقط والدوائر فهو من أجلّ العلوم وغوامض الأسرار، لأنّ منتهى الكلام إلى الحروف ومنتهى الحروف إلى الألف ومنتهى الألف إلى النقطة، والنقطة عندهم عبارة عن نزول الوجود المطلق الظاهر بالباطن، ومن الابتداء بالانتهاء يعني ظهور الهوية التي هي مبدأ الوجود التي لا عبارة لها ولا إشارة ـ الصفحة 25. وسرّ اللّه مودع في كتبه وسرّ الكتب في القرآن، لأنّه الجامع المانع، وفيه تبيان كلّ شيء، وسرّ القرآن في الحروف المقطّعة في أوائل السور، وعلم الحروف في لام ألف، وهو الألف المعطوف المحتوي على سرّ الظاهر والباطن، وعلم اللام ألف في الألف، وعلم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية، وسرّ القرآن في الفاتحة، وسرّ الفاتحة في مفتاحها، وهي بسم اللّه، وسرّ البسملة في الباء، وسرّ الباء في النقطة ـ الصفحة 27. => -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 77 -------------------------------------------------------------------------------- ____________ <= والفاتحة هي سورة الحمد واُمّ الكتاب، وقد شرّفها اللّه تعالى في الذكر فأفردها وأضاف القرآن إليها، فقال عزّ اسمه: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِيَ وَالقُرْآنَ العَظِيمَ)، فذكرها إجمالا وإفراداً، وذلك لتشرّفها، وهذا مثل قوله: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى)، أدخلها إجمالا وأفردها إجلالا. وسورة الحمد فيها اسم اللّه الأعظم عن يقين، وعدد آياتها (7) وهي العدد الكامل، ومن العدد الكامل يظهر جذر العشرة، وهو ضرب السنة في أيّام الاُسبوع ومبلغه (2520)، وهو عدد له نصف وثلث وربع وخمس وسدس وسبع وثمن وتسع وعشر، وعدد كلمات اُمّ الكتاب مع البسملة (29) كلمة، وعدد السور المتوجة بالحروف المقطّعة (29) سورة، وعدد أيام الشهر (29) يوماً، فأخذ منها الألف كانت (28) بعدد منازل القمر، وإذا قسمت كان منها للأفلاك (9) وللبروج (12) وللعناصر (4) وللمواليد (3) فهذه ثمانية وعشرون بعدد حروف المعجم، وعدد حروف الفاتحة (324) وأعداد حروفها (9361) وسائر أعدادها تنقسم إلى الفردانية، وتشير إليها وتنقسم بأعداد الاسم الأعظم قسمين ظاهر وباطن. نهاية الحروف النقطة، فتناهت الأشياء بأسرها إلى النقطة ودلّت عليها، ودلّت النقطة على الذات، وهذه النقطة هي الفيض الأوّل الصادر عن ذي الجلال المسمّى في اُفق العظمة والجمال بالعقل الفعّال وذلك هو الحضرة المحمدية، فالنقطة هي نور الأنوار وسرّ الأسرار، كما قال أهل الفلسفة: النقطة هي الأصل والجسم حجاب والصورة حجاب الجسم والحجاب غير الجسد الناسوتي، دليله: من صريح الآيات قوله: (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ) معناه منوّر السماوات، فاللّه اسم للذات والنور من صفات الذات والحضرة المحمدية صفة اللّه وصفوته، صفته في عالم النور وصفوته في عالم الظهور، فهي النور الأوّل الإسم البديع الفتّاح (قَوْلُهُ الحَقُّ) أوّل ما خلق اللّه نوري (وقوله) أنا اللّه وكلّ منّي. وقوله (ممّا رواه أحمد ابن حنبل): كنت وعلي نوراً بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربع عشر سنة فمحمد => -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 78 -------------------------------------------------------------------------------- ____________ <= وعلي حجاب الحضرة الإلهية ونوّابها وخزّان أسرار الربوبية وبابها... فإذا استقرينا الموجودات فإنّها تنتهي إلى النقطة الواحدة التي صفة الذات وعلّة الموجودات ولها في التسمية عبارات فهي العقل من قوله: «أوّل ما خلق اللّه العقل»، وهي الحضرة المحمدية من قوله: «أوّل ما خلق اللّه نوري»، ومن حيث إنّها أوّل الموجودات صادرة عن اللّه تعالى بغير واسطة سمّيت العقل الأوّل، ومن حيث إنّ الأشياء تجد منه قوّة التعقيل سمّي العقل الفعّال، ومن حيث إنّ العقل فاض منه إلى جميع الموجودات فأدركت به حقائق الأشياء سمّي عقل الكلّ، فعلم بواضح البرهان أنّ الحضرة المحمدية هي نقطة النور وأوّل الظهور وحقيقة الكائنات ومبدأ الموجودات وقطب الدائرات، فظاهرها صفة اللّه وباطنها غيب اللّه، فهي ظاهر الاسم الأعظم وصورة سائر العالم وعليها مدار من كفر وأسلم، فروحه نسخة الأحدية في اللاهوت وجسده صورة معاني الملك والملكوت، وقلبه خزانة الحيّ الذي لا يموت، وذلك لأنّ اللّه تعالى تكلّم في الأوّل بكلمة فصارت كلمته ونوره وروحه وحجابه، وسريانها في العالم كسريان النقطة في الحروف والأجسام وسريان الواحد في الأعداد وسريان الألف في الكلام وسريان الإسم المقدّس في الأسماء فهي مبدأ الكلّ وحقيقة الكلّ، فكلّ ناطق بلسان الحال والمقال فإنّه شاهد للّه بالوحدانية الأوّلية ولمحمد وعلي بالاُبوّة والملكية، دليله قوله (صلى الله عليه وآله): أنا وعلي أبَوا هذه الاُمّة... فعلم أنّ الفيض الأوّل عن حضرة الأحدية هي النقطة الواحدة وعنها ظهر الف الغيب (القلب خ ل) وامتدّ حتّى صار خطه وهو مركب من ثلاث نقط... قال (عليه السلام): عن الباء ظهر الوجود وبالنقطة تبين العابد عن المعبود، وقال حكيم: بالباء عرفه العارفون... وإلى هذا السرّ إشارة من كلامه البليغ في نهج البلاغة فقال: «وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى»، وهذه إشارة إلى أنّه (عليه السلام) غاية الفخار ومنتهى الشرف وذروة العزّ وقطب الوجود وعين الوجود وصاحب الدهر ووجه الخلق وجنب العلى فهو القطب الذي دار به كلّ دائر وسار به كلّ سائر لأنّ سريان الوليّ في العالم كسريان الحقّ في العالم... والنقطة التي اُدير عليها بركار النبوّة فهي حقيقة كلّ موجود فهي باطن الدائرة والنقطة السارية السائرة التي بها ارتباط سائر العوامل... -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 79 -------------------------------------------------------------------------------- من الغلاة، إلاّ أنّ العلاّمة الأميني (قدس سره) يدافع عنه ويرفع هذه التهمة عن ساحته في كتابه القيّم(1)، فقال: الحافظ الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلّي، من عرفاء علماء الإمامية وفقهائها المشاركين في العلوم، على فضله الواضح في فنّ الحديث وتقدّمه في الأدب وقرض الشعر وإجادته وتضلّعه من علم الحروف وأسرارها واستخراج فوائدها، وبذلك كلّه تجد كتبه طافحة بالتحقيق ودقّة النظر، وله في العرفان والحروف مسالك خاصّة، كما أنّ له في ولاء أئمة الدين (عليهم السلام) آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس، ولذلك رموه بالغلوّ والارتفاع، غير أنّ الحقّ أنّ جميع ما يثبته المترجم لهم (عليهم السلام) من الشؤون هي دون مرتبة الغلوّ وغير درجة النبوّة، وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)قوله: إيّاكم والغلوّ فينا، قولوا: إنّا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): إجعل لنا ربّاً نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم. وقال (عليه السلام): إجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا(2). وأنّى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل ومآثر؟ وأنّى لنا الوقوف على غاية ما شرّفهم اللّه به من ملكات فاضلة ونفسيّات نفيسة وروحيات قدسية وخلائق كريمة ومكارم ومحامد؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام؟ أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، ____________ 1- الغدير 7: 33. 2- لقد ذكرت براهين صحّة هذا المعنى في (جلوة من ولاية أهل البيت (عليهم السلام))، فراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 80 -------------------------------------------------------------------------------- وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحضرت الخطباء، وجهلت الألبّاء، وكلّت الشعراء، وعجزت الاُدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، وفضيلة من فضائله، وأقرّت بالعجز والتقصير، فكيف يوصف بكلّه؟ أو ينعت بكنهه؟ أو يفهم شيء من أمره؟ أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه؟ لا كيف؟ وأنّى؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟ ولذلك تجد كثيراً من علمائنا المحققين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى صلوات اللّه عليهم كلّ هاتيك الشؤون وغيرها ممّا لا يتحمّله غيرهم، وكان في علماء قم من يرمي بالغلوّ كلّ من روى شيئاً من تلكم الأسرار حتّى قال قائلهم: إنّ أوّل مراتب الغلوّ نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله)، إلى أن جاء بعدهم المحقّقون وعرفوا الحقيقة، فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزناً، وهذه بليّة مُني بها كثيرون من أهل الحقائق والعرفان ومنهم المترجم، ولم تزل الفئتان على طرفي نقيض وقد تقوم الحرب بينهما على أشدّها، والصلح خير. وفذلكة المقام: أنّ النفوس تتفاوت حسب جبلاّتها واستعداداتها في تلقّي الحقائق الراهنة، فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار، ومنها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعاً ويمدّ لها باعاً، وبطبع الحال إنّ الفئة الاُولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما إنّ الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حقّقوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة وتحتدم الضغائن، ونحن نقدّر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحقّ، ونقول: على المرء أن يسعى بمقدار جهده وليس عليه أن يكون موفّقاً إلاّ أنّ الناس معادن، كمعادن الذهب والفضّة، وقد تواتر عن أئمة -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 81 -------------------------------------------------------------------------------- أهل البيت (عليهم السلام): أنّ أمرنا ـ أو: حديثنا ـ صعب مستصعب لا يتحمّله إلاّ نبيّ مرسل أو مَلَك مقرّب أو مؤمن امتحن اللّه قلبه بالإيمان. إذن فلا نتحرّى وقيعة في علماء الدين، ولا نمسّ كرامة العارفين، ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه، إذ لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها، وقال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): لو جلست اُحدّثكم ما سمعت من فم أبي القاسم (صلى الله عليه وآله) لخرجتم من عندي وأنتم تقولون: إنّ عليّاً من أكذب الكاذبين. وقال إمامنا السيد السجّاد (عليه السلام): لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق، وكلاّ وَعَدَ اللّه الحسنى، وفضّل اللّه المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. ثمّ يذكر العلاّمة الأميني ما قاله السيد الأمين في أعيان الشيعة من إنكاره الحافظ البرسي وأنّه من الغلاة، فيناقشه، ثمّ يذكر مؤلّفات الحافظ وجملة من شعره الرائق في مدح أهل البيت (عليهم السلام)، فراجع. فكما إنّ الإيمان درجات، وفي بعض الروايات تبلغ إلى أربعمائة درجة، كذلك المعرفة باللّه ورسوله وأهل بيته، فإنّ المعرفة من الكلّي المشكّك له مراتب في القوّة والضعف، ولو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان من المعارف الحقّة والأنوار القدسية في عظمة أهل البيت وأسرار أمير المؤمنين لقتله، أو قال رحم اللّه قاتل سلمان. وقد آخا بينهما رسول اللّه فما ظنّكم بسائر الناس. فإذا اعتقدنا أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عنده علم الأوّلين والآخرين بعد رسول اللّه، وذلك بعناية من ربّه، فإنّه عيبة علمه، فهو يعلم كلّ ما في القرآن الكريم، وهو نقطة باء البسملة، فليس ذلك من الغلوّ، بل هذا من أدنى المعرفة بأسرار أمير المؤمنين، وما عرفه إلاّ اللّه ورسوله، كما قاله النبيّ الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 82 -------------------------------------------------------------------------------- فحديث النقطة جاء في كتاب الحافظ البرسي (مشارق أنوار اليقين) كما جاء في غيره. أجل: حديث النقطة يعدّ من الأحاديث الصعبة المستصعبة التي لا يتحمّلها إلاّ مَلَك مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه بالإيمان، فإنّه يعتبر من أسرار آل محمد (عليهم السلام)، وإنّه رشحة من رشحات سرّ الولاية العلوية، ولاية أمير المؤمنين أسد اللّه الغالب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حصن اللّه الحصين الذي مَن دخله كان آمناً، كما مَن دخل حصن التوحيد وكلمة (لا إله إلاّ اللّه) كان آمناً من عذاب اللّه سبحانه وخزي الدنيا والآخرة، ومن كلّ شين وألم وسقم وأمراض روحية، ومن الصفات الرذيلة والأخلاق المذمومة. فحديث النقطة بحر زاخر متلاطم الأمواج، وقمر زاهر متلألىء الأفواج، وشمس مضيئة، وكواكب زاهية في سماء العلم والفضيلة، يعجز القلم عن بيانه ويكلّ اللسان عن تبيانه. ولكنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، والميسور لا يسقط بالمعسور، وبداية مسيرة ألف ميل خطوة، فلنغترف من عذب مناهل حديث النقطة غرفة، عسى أن نروي أكباداً حرّى ونفوساً متعطّشة لمعرفة الحقائق وكسب المعارف الإلهية. فالروايات ـ من السنّة والشيعة ـ التي تشير إلى أنّ كلّ العلوم والفنون والمعارف والحقائق من الأوّلين والآخرين، وأسرار الكون، وعلم اللّه سبحانه بعد الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، إنّما هي عند مولى الموحّدين، وإمام المتّقين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ الميامين، وسيد الأوصياء المنتجبين، أخ الرسول، وزوج البتول، وأبي السبطين: الحسن والحسين، ذلك أسد اللّه ورسوله وخليفته -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 83 -------------------------------------------------------------------------------- ووصيّه، مولانا وطبيب نفوسنا وحبيب قلوبنا، إمام الهدى، علي بن أبي طالب المرتضى، عليه وعلى ابن عمّه رسول اللّه وأهل بيتهم أفضل صلوات المصلّين. فلا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين، أي إمام حقٍّ ظاهر البرهان وتامّ البيان، وقد علّمه اللّه سبحانه علم ما كان وعلم ما يكون وما هو كائن، وقد زقّه النبيّ ذلك العلم زقّاً، وعلّمه ألف باب من العلم ينفتح من كلّ باب ألف باب. ثمّ العلم والخير والحقّ كلّه في القرآن الكريم، وكلّ ما في القرآن هو في سورة الحمد ـ كما مرّ بيان ذلك إجمالا ـ، وكلّ ما في الحمد إنّما هو في البسملة، وكلّ ما في البسملة إنّما هو في الباء، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وروحي فداه هو نقطة باء البسملة. وأمّا بيان ذلك فنشير إلى بعض الوجوه على نحو الاجمال والإشارة ـ والحرّ اللبيب تكفيه الإشارة ـ وربّما بعض النفوس لقصورها أو تقصيرها لا تستوعب ذلك فتنكر تلك المعاني السامية وربّما تعاديها ـ فإنّ الناس أعداء ما جهلوا ـ، ولكنّ المنصف العاقل يستمع القول فيتّبع أحسنه، وما لا يستوعبه يردّه إلى أهله... الأوّل ـ قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ}(1). الآية الشريفة وما بعدها تذكر الميثاق من بني آدم على الربوبية، وهي ____________ 1- سورة الأعراف، الآية 172. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 84 -------------------------------------------------------------------------------- من أدقّ الآيات القرآنية معنىً وأعجبها نظماً. وقد تعرّض كثير من العلماء الأعلام إلى تفسيرها وبيانها، وللعلاّمة الطباطبائي في تفسيره القيّم (الميزان) تحقيق ظريف ومطالب قيّمة في هذا الباب(1). وجاء فيه: قوله: {وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ينبىء عن فعل آخر إلهيّ تعلّق بهم بعد ما أخذ بعضهم من بعض وفصل بين كلّ واحد منهم وغيره، وهو إشهادهم على أنفسهم. والإشهاد على الشيء هو إحضار الشاهد عنده وإراءته حقيقته، ليتحمّله علماً تحمّلا شهودياً، فإشهادهم على أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحمّلوا ما اُريد تحمّلهم من أمرها، ثمّ يؤدّوا ما تحمّلوه إذا سُئلوا. ثمّ يقول: فالإنسان في أي منزل من منازل الانسانية نزل، يشاهد من نفسه أنّ له ربّاً يملكه ويدبّر أمره، وكيف لا يشاهد ربّه وهو يشاهد حاجته الذاتية؟ وكيف يتصوّر وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه؟ فقوله: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} بيان ما اُشهد عليه، وقوله: {قالُوا بَلى شَهِدْنا} اعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه، ولذا قيل: إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنّه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلّق به وجوده من اللوازم والأحكام، ومعنى الآية: أنّا خلقنا بني آدم في الأرض وفرّقناهم وميّزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد، وأوقفناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنّك ربّنا. ثمّ يقول (قدس سره): وقد طرح القوم عدّة من الروايات تدلّ على أنّ الآيتين تدلاّن على عالم الذرّ، وأنّ اللّه أخرج ذرية آدم من ظهره، فخرجوا كالذرّ، ____________ 1- راجع الميزان 9: 306 ـ 331. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 85 -------------------------------------------------------------------------------- فأشهدهم على أنفسهم، وعرّفهم نفسه، وأخذ منهم الميثاق على ربوبيته، فتمّت بذلك الحجّة عليهم يوم القيامة. وقد ذكروا وجوهاً في إبطال دلالة الآيتين عليه، وطرح الروايات بمخالفتها لظاهر الكتاب. فيذكر السيد وجوهاً ستة، ثمّ يقول: هذه جملة ما أوردوه على دلالة الآية وحجية الروايات، وقد زيّفها المثبتون لنشأة الذرّ، وهم عامة أهل الحديث وجمع من غيرهم من المفسّرين بأجوبة. فيذكر أجوبة الوجوه الستة، ويقول: هذا ملخّص ما جرى بينهم من البحث في ما استفيد من الآية من حديث عالم الذرّ إثباتاً ونفياً، واعتراضاً وجواباً، واستيفاء التدبّر في الآية والروايات، والتأمّل فيما يرومه المثبتون بإثباتهم ويدفعه المنكرون بإنكارهم يوجب توجيه البحث إلى جهة اُخرى غير ما تشاجر فيه الفريقان بإثباتهم ونفيهم. فيذكر العلاّمة وجهاً ثالثاً بقريحته العرفانية اللطيفة بعد أن يشكل إشكالات عديدة على من يقول بعالم الذرّ كما عند المشهور، كما يشكل على النافين له، ويقول: ومقتضى هذه الآيات أنّ للعالم الإنساني ـ على ما له من السعة ـ وجوداً جميعاً عند اللّه سبحانه، وهو الذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده، لا يغيب فيها بعضهم عن بعض، ولا يغيبون عن صانعه، وهذا هو الذي يسمّيه اللّه سبحانه بالملكوت، ويقول: {وَكَذلِكَ نُرِيَ إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ}(1)، ويشير إليه بقوله: {كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها ____________ 1- سورة الأنعام، الآية 75. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 86 -------------------------------------------------------------------------------- عَيْنَ اليَقِينِ}(1). وأمّا هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني، وهو الذي يفرّق بين الآحاد، ويشتّت الأموال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان، وتطبيقها على مرّ الليالي والأيّام ويحجب الإنسان عن ربّه بصرف وجهه إلى التمتّعات المادية الأرضية واللذائذ الحسية، فهو متفرّع على الوجه السابق متأخّر عنه، وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرّعها عليها موقعاً كن ويكون في قوله تعالى: {أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون}(2). ويتبيّن بذلك أنّ هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة اُخرى إنسانية هي هي بعينها، غير أنّ الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربّهم، يشاهدون فيها وحدانيّته تعالى في الربوبية بمشاهدة أنفسهم لا من طريق الاستدلال، بل لأنّهم لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه، ويعترفون به وبكلّ حقّ من قبله، وأمّا قذارة الشرك وألواث المعاصي، فهو من أحكام هذه النشأة الدنيوية دون تلك النشأة، التي ليس فيها إلاّ فعله تعالى القائم به، فافهم ذلك. وأنت إذا تدبّرت هذه الآيات ثمّ راجعت قوله تعالى: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية، وأجدت التدبّر فيها وجدتها تشير إلى تفصيل أمر تشير هذه الآيات إلى إجماله، فهي تشير إلى نشأة إنسانية سابقة فرق اللّه فيها بين أفراد هذا النوع، وميّز بينهم {وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا}. ____________ 1- سورة التكاثر، الآية 7. 2- سورة يس، الآية 82. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 87 -------------------------------------------------------------------------------- ولا يرد عليه ما اُورد على قول المثبتين في تفسير الآية على ما فهموه من معنى عالم الذرّ من الروايات على ما تقدّم، فإنّ هذا المعنى المستفاد من سائر الآيات والنشأة السابقة التي تثبته لا تفارق هذه النشأة الإنسانية الدنيوية زماناً، بل هي معها محيطة بها، لكنّها سابقة عليها السبق الذي في قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُون}، ولا يرد عليه شيء من المحاذير المذكورة. ثمّ يقول: وأمّا الروايات، فسيأتي أنّ بعضها يدلّ على أصل تحقّق هذه النشأة الإنسانية كالآية، وبعضها يذكر أنّ اللّه كشف لآدم (عليه السلام) عن هذه النشأة الإنسانية، وأراه هذا العالم الذي هو ملكوت العالم الإنساني، وما وقع فيه من الإشهاد وأخذ الميثاق، كما أرى إبراهيم (عليه السلام) ملكوت السماوات والأرض. ثمّ في بحثه الروائي (الصفحة 323)، يذكر روايات عديدة تدلّ على عالم الذرّ، نكتفي بثلاثة منها، فقال: في الكافي، بإسناده، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى حيث خلق الخلق، خلق ماءً عذباً وماءً مالحاً اُجاجاً، فامتزج الماءان، فأخذ طيناً من أديم الأرض، فعركه عركاً شديداً، فقال لأصحاب اليمين وهم كالذرّ يدبّون: إلى الجنّة ولا اُبالي، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا اُبالي، ثمّ قال: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين. وفيه، بإسناده، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: {فِطْرَةَ اللّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها}، ما تلك الفطرة؟ قال: هي الإسلام، فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، قال: ألست بربّكم؟ وفيه المؤمن والكافر. وفي تفسير العياشي، وخصائص السيد الرضي، عن الأصبغ بن نباتة، -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 88 -------------------------------------------------------------------------------- عن علي (عليه السلام)، قال: أتاه ابن الكوّاء، فقال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن اللّه تبارك وتعالى، هل كلّم أحداً من ولد آدم قبل موسى؟ فقال علي (عليه السلام): قد كلّم اللّه جميع خلقه برّهم وفاجرهم، وردّوا عليه الجواب، فثقل ذلك على ابن الكوّاء ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له: أو ما تقرأ كتاب اللّه إذ يقول لنبيّه: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى}، فقد أسمعهم كلامه وردّوا عليه الجواب، كما تسمع في قول اللّه يا ابن الكوّاء {قالُوا بَلى}، فقال لهم: إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا وأنا الرحمن الرحيم، فأقرّوا له بالطاعة والربوبية، وميّز الرسل والأنبياء والأوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، فأقرّوا بذلك في الميثاق، فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك: شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيامة: إنّا كنّا عن هذا غافلين. أقول: والرواية كما تقدّم، وبعض ما يأتي من الروايات، يذكر مطلق أخذ الميثاق من بني آدم من غير ذكر إخراجهم من صلب آدم وإراءتهم إيّاه، وكان تشبيههم بالذرّ كما في كثير من الروايات تمثيل لكثرتهم كالذرّ لا لصغرهم جسماً أو غير ذلك، ولكثرة ورود هذا التعبير في الروايات سمّيت هذه النشأة بعالم الذرّ. وفي الرواية دلالة ظاهرة على أنّ هذا التكليم كان تكليماً حقيقياً لا مجرّد دلالة الحال على المعنى. وفيها دلالة على أنّ الميثاق لم يؤخذ على الربوبية فحسب، بل على النبوّة (والإمامة) وغير ذلك، وفي كلّ ذلك تأييد لما قدّمناه. ثمّ يذكر الروايات الاُخرى من الشيعة والسنّة في هذا الباب، فراجع، وقال (قدس سره): وليس من البعيد أن يدّعى تواتره المعنوي (الصفحة 329). -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 89 -------------------------------------------------------------------------------- وقال: وفي الدرّ المنثور أيضاً أخرج ابن سعد وأحمد، عن عبد الرحمان ابن قتادة السلمي، وكان من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) يقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق آدم ثمّ أخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنّة ولا اُبالي، وهؤلاء في النار ولا اُبالي، فقال رجل: يا رسول اللّه فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر. أقول: القول في ذيل الرواية نظير القول في ذيل رواية أبي اُمامة المتقدّمة، وقد فهم الرجل من قوله «هؤلاء في الجنّة ولا اُبالي، وهؤلاء في النار ولا اُبالي» سقوط الاختيار، فأجابه (صلى الله عليه وآله): بأنّ هذا قدر منه تعالى وأنّ أعمالنا في عين أنّا نعملها وهي منسوبة إلينا تقع على ما يقع عليه القدر فتنطبق على القدر وينطبق هو عليها، وذلك أنّ اللّه قدّر ما قدّر من طريق اختيارنا فنعمل نحن باختيارنا، ويقع مع ذلك ما قدّره اللّه سبحانه، لا أنّه تعالى أبطل بالقدر اختيارنا، ونفي تأثير إرادتنا، والروايات بهذا المعنى كثيرة ـ انتهى كلامه رفع اللّه مقامه ـ. فكما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين»، وكما نقول عند قيامنا من السجود: «بحَول اللّه وقوّته أقوم وأقعد»(1). هذا إجمال ما أردت بيانه حول عالم الذرّ، وفي كتاب (التأويلات النجمية) أنّ الباء من الحروف الشفوية، وكان أوّل انفتاح فمّ الذرة الإنسانية في عهد {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} بالجواب بكلمة {بَلى}، فأوّل حرف نطقت به فم الذرة الإنسانية هو حرف الباء، فاختصّت بهذه الاختصاصات الربّانية، وجعلها اللّه تعالى مفتاح كتابه ومبدأ كلامه وبداية خطابه، فقال عزّ من قائل: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، ____________ 1- لقد ذكرت مسألة الجبر والتفويض في كتابنا (الحقّ والحقيقة بين الجبر والتفويض)، فراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 90 -------------------------------------------------------------------------------- فكلّ ما في البسملة إنّما تبدأ بالباء والباء بالنقطة، إذ النقطة منتهى الخطّ وبدايته، فمَن أراد أن يبدأ بكتابة الحروف أو رسم الأشكال إنّما يبدأ بالنقطة. والنقطة بين الحروف والأعداد والأشكال لا نظير لها، وكلّها تحصل وتوجد وتتكوّن منها، فإنّ الألف أو الواحد من الأعداد إنّما هو الخطّ المستقيم الذي هو أقصر الخطوط ويتولّد من نقطتين، فبداية الحروف في كلّ اللغات وبداية الأعداد بين جميع الناس ونهايتهما هي النقطة. كما أنّ النقطة في علم الهندسة والأشكال مركز الدائرة، والدائرة ـ كما هو ثابت في محلّه ـ أبسط الأشكال، فهي مرجع كلّ الأشكال، كالمربّع والمستطيل والمثلث وغير ذلك، كما أنّ الألف مرجع الحروف، وأنّ العدد الواحد مرجع كلّ الأعداد. وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) نوره المبارك من نور اللّه سبحانه، واتّحد نوره مع نور النبيّ الأعظم محمد، فهما من شجرة واحدة ونور واحد، كما اتّحد نور الأئمة بنورهما، فكلّهم نور واحد، وجعلهم اللّه أنوار بعرشه محدقين، وهم (عليهم السلام)أفضل جميع الممكنات وأشرف خلق اللّه ـ للأدلة العقلية، كقاعدة الأشرف، كما في الفلسفة. وللأدلة النقلية من الكتاب والسنّة ـ، وليس لهم نظير في عالم الإمكان، فهم العلّة بأقسامها للممكنات ـ كما جاء في حديث المعراج عن اللّه سبحانه: يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما(1) ـ، وأوّل ما خلق اللّه ـ كما ورد في الحديث الشريف ـ نور محمد (صلى الله عليه وآله)، وفي الخبر الشريف: أوّلنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد ____________ 1- شرحت هذا الحديث الشريف في رسالة (فاطمة ليلة القدر)، فراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 91 -------------------------------------------------------------------------------- وكلّنا محمد، كما أوّلهم علي وأوسطهم علي وآخرهم علي وكلّهم علي، ونورهم من نور اللّه سبحانه وعلمهم من علمه وقدرتهم من قدرته، فهم مظهر أسمائه وصفاته. وعلي (عليه السلام) نقطة دائرة الإمكان ومركزها ومحورها وقطب حركتها، فهو قلب العالم وسلطانه، والحافظ والواسطة في الفيوضات الإلهية على الممكنات والخلائق من بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، فهو الصادر الأوّل بعد النبيّ المختار، وهو إمام الكلّ في الكلّ لاحتياج الكلّ إليه، وهو باب اللّه المبتلى به الناس، مَن أتاه نجى ومن تخلّف عنه غرق وهوى، فهو مفتاح مشيّة اللّه واستفاضة فيضه المطلق بعد نبيّه الأكرم، وبيُمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء، فإنّه لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها، فهو حجة اللّه الأعظم، فهو الأوّل في المخلوقات بعد الرسول، وهو الآخر في الغايات، وهو الظاهر في فضائله، وهو الباطن في أسراره، فهو نقطة الوجود وسرّ المعبود، وهو الشاهد والمشهود. أجل: قالت البشرية في عالم الذرّ في قوله تعالى: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى}، ولم يقولوا نعم، فلولا المولى (عليه السلام) لما أمكنهم قول بلى، فإنّ نقطة تعين المتكلّم على قوله (بلى)، وذرية بني آدم لولا النقطة لتلجلجوا من اليوم الأوّل في توحيدهم، وعلي (عليه السلام) هو النقطة. فمثل علي (عليه السلام) يكون قطب عالم الإمكان، وقد أشار إلى ذلك في نهجه، في الخطبة الشقشقية، قائلا: «وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليّ الطير»(1). «فهو قطب الولاية ونقطة الهداية وخطة البداية والنهاية، يشهد بذاك ____________ 1- نهج البلاغة، صبحي الصالح، الخطبة الثالثة: 48. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 92 -------------------------------------------------------------------------------- أهل العناية، وينكره أهل الجهالة والعماية، وقد ضمّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً في قوله: كالجبل ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير، وهذا رمز شريف لأنّه شبّه العالم في خروجهم من كتم العدم بالسيل وشبّه ارتفاعهم في ترقّيهم بالطير، لأنّ الأوّل ينحدر من الأعلى إلى الأدنى، والثاني يرتفع من الأدنى إلى الأعلى، فقوله: «ينحدر عنّي السيل» إشارة إلى أنّه باطن النقطة التي عنها ظهرت الموجودات ولأجلها تكوّنت الكائنات، وقوله: «ولا يرقى إليّ الطير»، إشارة إلى أنّه أعلى الموجودات مقاماً ولسائر البريّات إماماً، ولهم في الحشر قائداً وقسّاماً، فهو قسيم نور الحضرة النبوية المحمدية، صاحب الولاية الإلهية، فهو الكلمة الربانية، ومولى سائر البرية، ولقد أحسن ابن أبي الحديد إذ فوق سهم التوفيق رامياً لهذا المرمى الدقيق عن قوس التحقيق، فقال: واللّه لولا حـيدر ما كانت الـدنـيا ولا جمع البرية مجمع وإليه في يوم المعاد حسابنا وهو الملاذ لنا غداً والمفزع»(1) الثاني : ـ لا يخفى أنّ النقطة مركز الدائرة، وأمير المؤمنين علي هو مركز الحقّ وقطبه ومحوره، كما قال النبي ـ في الخبر المتواتر عند الفريقين السنّة والشيعة ـ عليّ مع الحقّ، والحقّ معه يدور حيثما دار. فمن كان من شيعته ومواليه، كان مع الحقّ، وإنّه قد ركب سفينة النجاة، ومن تخلّف عنه غرق وهوى، واُمّه هاوية نار حامية. فمولى الموحّدين أمير المؤمنين هو نقطة عالم الوجود والنور والحقّ، يدور الحقّ معه أينما دار، فهو قطب الرحى. ____________ 1- مشارق أنوار اليقين: 51. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 93 -------------------------------------------------------------------------------- روى الحاكم النيسابوري والخوارزمي، بإسنادهما، قال رسول اللّه: رحم اللّه علياً، اللّهم أدر الحقّ معه حيثما دار. وروى الحمويني، بإسناده، قال رسول اللّه: الحقّ مع علي بن أبي طالب حيث دار. وقال (صلى الله عليه وآله): عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي، ولن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض يوم القيامة. وقال: يا علي إنّ الحقّ معك، والحقّ على لسانك وفي قلبك وفي عينك. وقال: سيكون بين الساعة فرق واختلاف، فيكون هذا ـ مشيراً إلى علي بن أبي طالب وأصحابه ـ على الحقّ. وقال: ستكون بعدي فِتَن، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فإنّه فاروق بين الحقّ والباطل. وعن عائشة، قال: الحقّ مع علي وعلي مع الحق، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. وعن اُمّ سلمة: كان علي على الحقّ، مَن اتّبعه اتّبع الحقّ، ومن تركه ترك الحقّ، عهداً معهوداً قبل هذا اليوم. وروى الخوارزمي، عن علقمة والأسود، قالا: سمعت أبا أيّوب الأنصاري يقول: سمعت النبيّ يقول لعمّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، وأنت مع الحقّ والحقّ معك، يا عمّار، إذا رأيت علياً سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع عليّ ودع الناس، فإنّه لن يدخلك في أذى ولن يخرجك من الهدى... وهناك عشرات الروايات الاُخرى بهذا المضمون في كتب أبناء العامة فضلا عن الشيعة(1). الثالث : ـ مرجع الحروف ومآلها هي النقطة، وظهور العلوم والفنون إنّما هي بالحروف، فمرجع المعارف الإلهية ومآل العلوم والفنون والفضائل والمكارم والآداب هو علي (عليه السلام)، فهو مرجع حساب الخلائق، وبصكّ منه يعبر المؤمن على الصراط، كما ورد في الخبر الشريف عند الفريقين. ____________ 1- نقلت الروايات من كتاب (قادتنا كيف نعرفهم) 2: 475 ـ 480، فراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 94 -------------------------------------------------------------------------------- فظهور العلوم البشرية، كعلم الأديان وعلم الأبدان، والعلوم العقلية والنقلية إنّما هي من الحروف، وتركيب الحروف من النقطة، وهو النقطة (عليه السلام)، فهو أساس العلوم وعنده علم الأوّلين والآخرين، كما في الأخبار الشريفة. الرابع : ـ النقطة ميزان في العلوم والفنون، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ميزان الأعمال، كما نقرأ في زيارته: «السلام عليك يا ميزان الأعمال»، فهو الميزان القويم بين الحقّ والباطل، وبه تقاس الأعمال وتقوّم، فهو الفاروق الأعظم والصراط المستقيم، وصراط علي حقّ نمسكه، ومن لم يتمسّك بحبل اللّه ويعتصم بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) فهو من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ومأواه جهنم، وبئس المصير. فتشخيص حرف الباء من التاء والثاء بالنقطة، وعلي (عليه السلام) هو النقطة المميّزة بين الحقّ والباطل والاُمور المتشابهة، فهو المحكم من الآيات. الخامس : ـ من النقطة تعرف أسرار الحروف والأعداد، ومن إمام المتّقين علي (عليه السلام) تعرف أسرار المعارف الحقّة والأحكام المستحكمة، فهو الهادي ولكلّ قوم هاد، وهو سرّ اللّه وآيته ومظهر لأسمائه وصفاته، فهو يد اللّه وعينه ـ كما قالها عمر بن الخطّاب في قصة الرجل الذي كان ينظر إلى امرأة أجنبية في حرم النبيّ، فصفعه أمير المؤمنين علي على وجهه فاحمرّ وجهه، فجاء إلى عمر يطالب بالقصاص، فأجابه: عين اللّه رأت ويد اللّه ضربت ـ وهذه معرفة عمرية عامّية، فكيف بالمعرفة العلوية الشيعية، فتدبّر. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف عند الفريقين في صحاحهم: يتقرّب العبد إليّ بالنوافل حتّى اُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 95 -------------------------------------------------------------------------------- الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده الذي يأخذ به(1)، وأمير المؤمنين سيد المتقرّبين، فيده يد اللّه، ويد اللّه فوق أيديهم(2). السادس : ـ قالوا: إنّ للنقطة باعتبار اختفائها بالصورة الألفية ـ فإنّ حرف الألف مركّب من نقاط متوالية متلاحقة والحروف مركّبة من الألف ـ وظهور النقطة بها لها مراحل ومراتب: الاُولى: قبل الامتداد ـ فإنّ النقطة عندما تمتدّ يتكوّن الألف ـ، وهي المرتبة الاجمالية الاتّحادية، وهي مرتبة لا يظهر أعيانها، وهي عبارة عن المرتبة النورانية الثابتة للإمام علي (عليه السلام)، على ما هي مذكورة في الأخبار والآثار. الثانية: ابتداء النفس بإيجاد وأعيان الحروف حال تعيّناتها في مخارجها، وهذا تشبيه لكون الإمام (عليه السلام) واسطة بين الخالق والمخلوق في جميع الفيوضات الربّانية، وكونه (عليه السلام) حافظاً للشريعة السماوية السمحاء، وهادياً للاُمّة البشرية، وقلبه عبارة عن المشكاة التي فيها مصباح، كما جاء في تفسير آخر للمصباح ____________ 1- الآداب المعنوية للصلاة: 354. 2- يقول السيد الإمام الخميني (قدس سره) في آداب الصلاة: الإنسان يستطيع أن يكون مظهراً لأسماء اللّه، والآية الكبرى الإلهية بالارتباطات القلبية، ويكون وجوده وجوداً ربّانياً، ويكون المتصرّف في مملكته يد الجمال والجلال الإلهي. وفي الحديث ما يقرب من هذا المعنى من أنّ: (روح المؤمن أشدّ اتّصالا باللّه تعالى من اتّصال الشمس بها أو بنورها)، وفي الحديث الصحيح: (لا يزال يتقرّب إلَيّ عبدي بالنوافل حتّى اُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به...)، وفي الحديث: (علي عين اللّه ويد اللّه)، إلى غير ذلك... وفي الحديث: (نحن أسماؤه الحسنى)، والشواهد العقلية والنقلية في هذا بخصوصه كثيرة. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 96 -------------------------------------------------------------------------------- في آية النور(1). وقال (عليه السلام): نحن أوعية مشيّة اللّه، إذا شئنا شاء اللّه، ولا نشاء إلاّ أن يشاء اللّه، وفي الزيارة الجامعة الكبيرة: «السلام على محالّ مشيّة اللّه». والسرّ في المعنى المذكور ظاهر، فإنّ تلك التعيّنات إشارة إلى مقام إقبال المعصوم (عليه السلام)إلى الخلق لإصلاح اُمور دينهم ودنياهم. الثالثة: المرتبة الحسية برسم النقطة وامتدادها في رسم الحروف، وهي إشارة إلى كونه (عليه السلام) مظهر العالم الملكي المسمّى بعالم الحسّ والشهادة في مقابل عالم الملكوت والأمر، فتظهر أسماء اللّه وصفاته الكمالية، وتبرز في وجوده الشريف. فكونه (عليه السلام) مظهر الفيض الأقدس في العالم الناسوتي، وظهوره في الظاهرة الكمالية الإنسانية عكوس الأسماء الإلهية. السابع : ـ قد جاء في الحديث الشريف ـ كما مرّ ـ إنّ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} أقرب إلى الإسم الأعظم من سواد العين إلى بياضها، وقد ورد في معناه وجوه كثيرة: كقولهم: البسملة عين الاسم الأعظم،، إمّا بهذا الترتيب أو بترتيب آخر مخزون عند أهله، ولكنّ ترتيب آثارها وظهور خواصّها مشروط بشروط لا يتّفق اجتماعها وتحقّقها إلاّ عند أهلها كالأنبياء والأوصياء والأولياء. وقيل: الإسم الأعظم كما ورد في بعض الأخيار عبارة عن وجود الإمام (عليه السلام)، فلولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها، ثمّ شدّة قرب الأئمة الأطهار ـ سيّما سيّد الأوصياء علي (عليه السلام) ـ إلى البسملة في غاية الوضوح والثبوت، كما يشهد به آية {فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى}، فالنقطة هو وجود الإمام (عليه السلام)، والبسملة ____________ 1- ذكرنا تفصيل ذلك في (جلوة من ولاية أهل البيت (عليهم السلام))، فراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 97 -------------------------------------------------------------------------------- أقرب إلى النقطة من حيث المعنى من سواد العين إلى بياضها، وقال اللّه تعالى {وَلِلّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فَادْعُوهُ بِها}، وعن الإمام الصادق (عليه السلام)ـ كما في تفسير نور الثقلين، ذيل الآية الشريفة ـ: «نحن واللّه الأسماء الحسنى»، وهذا يعني أنّ الإسم الأعظم ليس لفظاً، بل كلّ اسم هو أعظم لو تجلّى في جوهر الإنسان المؤمن باطنه، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) من الإسم الأعظم وهو نقطة البسملة. الثامن : ـ هل تعلم إنّ الحروف الأبجدية لها أعداد خاصة في كتب العلوم الغريبة، وعلي يتكوّن حسابه بالأبجد مئة وعشرة، فإنّ العين سبعين واللام ثلاثين والياء عشرة، فتلك مئة وعشرة، ثمّ جميع الأعداد والأسماء للمخلوقات باعتبار الحروف الأبجدية وأعدادها مرجعها بعد حساب خاص إلى مئة وعشرة، وهذا يعني أنّ مرجع الأسماء كلّها إلى اسم علي (عليه السلام)، وكيف لا ترجع الأسماء كلّها إلى اسمه الشريف (وعلي اشتقّ من العليّ)، كما ترجع المسميات إلى مسمّاه الشريف، كما إنّ مرجع الأعداد من الواحد إلى ما لا نهاية إنّما يكون إلى عدد مئة وعشرة، وهو عدد اسم علي المبارك. وأمّا الحساب الخاص، فهو: يأخذ أي عدد كان (حتّى عدد الواحد) فيضرب المجموع في ستة، ثمّ يضاف عليه واحد، ويضرب في عشرة، ويقسّم على عشرين، والمتبقّي يضرب في أحد عشر، فتكون النتيجة عدد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (110). ولا يخفى على ذوي النهى أنّ هذه المقامات الشامخة في الحقيقة العلوية إنّما هي من أشعة الحقيقة المحمدية، فإنّه قال (عليه السلام): علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم ينفتح لي من كلّ باب ألف باب. وقال: أنا عبد من عبيد محمد. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 98 -------------------------------------------------------------------------------- وقال رسول اللّه محمد (صلى الله عليه وآله): أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد المدينة، فليأتها من بابها. التاسع : ـ من صفات نقطة الباء بين مثيلاتها ـ أي: التاء المثناة والثاء المثلثة والياء المثناة والنقاط تحتها ـ أنّها توضح وتبين الباء عن غيرها، فلولا النقطة الواحدة التحتانية لاشتبه الأمر، فهذه النقطة الواحدة هي التي ميّزت الباء عن غيرها، والنقطة ـ كما ورد في الخبر الشريف: حقيقة واحدة كثّرها الجاهلون ـ فنقطة الباء توضحه وتميّزه عمّا يشاركه في الصورة، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام)هو الذي يبيّن علوم القرآن ومعارفه ويوضّح مجملاته وإشاراته ويكشف حقائقه وأسراره، فإليه تنتهي العلوم والفنون، ولم يؤخذ علم إلاّ منه بعد الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله). العاشر : ـ لولا النقطة تحت البابء لما تمكّنا من التلفّظ بحرفها، ولولاها لما تمكّنا من التلاوة المباركة، ولو تلفّظ شخص البسملة من دون النقطة، لسُئل عن نقطتها. وهذا يعني بوضوح تامّ أنّه لا يمكن أن نقف على حقيقة القرآن الكريم ومعانيه وأسراره ومغزاه لولا من كان عنده علم الكتاب، الراسخ في العلم، يعسوب الدين، أمير المؤمنين علي المرتضى (عليه السلام)، ولولاه لما عرفنا مراد القرآن وخطاباته الواقعية، فهو نقطة باء البسملة التي فيها تمام القرآن الكريم، وقد ورد في رواياتنا: «إنّما يعرف القرآن من خوطب به». الحادي عشر : ـ لولا النقطة في لفظ الوجود، لكان من اللفظ المهمل (وحود)، فلا معنى له، ويفقد اللفظ حينئذ أصالته وقيمته، وكذلك الأمير روحي فداه لولاه لما كان معنى لعالم الوجود حدوثاً وبقاءً، ولكان ما سوى اللّه سبحانه في حيّز العدم -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 99 -------------------------------------------------------------------------------- «بكم فتح اللّه وبكم يختم»، «ولولا الحجة لساخت الأرض بأهلها». وفي حديث المعراج خطاب ربّ العباد حبيبه محمد، قائلا: «يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»(1)، فلو شبّهنا العالم وما سوى اللّه سبحانه بجسد الإنسان كما ورد في الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام): أتزعم أنّك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر وفي جسد الإنسان عقل في الدماغ وهو مركز الإرادة والتدبير، وقلب في صدره يضخّ منه الدم، وكبد يصفّي الدم الذي يأخذه من القلب ويدفعه إلى الدماغ، فلولا الدماغ لما كان الإنسان، ولولا القلب لما كان الدماغ، ولولا الكبد لما كان الدماغ والقلب، أي لا يتمّ عملية الدماغ والقلب. ودماغ الأفلاك وعقل العالم هو رسول اللّه، وقلب عالم الإمكان هو الإمام المعصوم علي (عليه السلام)، وكبد العالم فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فلولاها لما كان مجال لعمل العقل والقلب، فهي مجمع النبوّة والإمامة، وهي ملتقى البحرين يخرج منها اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين، فهي اُمّ الأئمة النجباء الأطهار (عليهم السلام)، واُمّ أبيها. الثاني عشر : ـ لولا النقطة في لفظ النور، لكان مهملا لا معنى له، ولولا مولانا علي المرتضى (عليه السلام) لما كان للنور ظهور، فهو وابن عمّه وأهل بيته (عليهم السلام)نور السماوات والأرض، كما مرّ في آية النور. ____________ 1- لقد ذكرت وجوهاً لهذا الخبر الشريف، كما ذكرت مصدره في رسالة (فاطمة الزهراء ليلة القدر)، فراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 100 -------------------------------------------------------------------------------- إنّ سموّ النور على سائر الموجودات، بل كون قوامها جميعاً به، أوضح من أن يبرهن عليه، ويمتاز النور المحمدي المشترك مع النور العلوي في الحقيقة بأنّه مستمدّ من النور الإلهي الذي به استنارت السماوات والأرضون. وإليك ما يدلّ على ذلك: روى الحمويني، بإسناده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول اللّه يقول لعلي: خلقت أنا وأنت من نور اللّه تعالى(1). وروى الكنجي، بإسناده، عن سلمان، قال: سمعت رسول اللّه يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي اللّه مطيعاً، يسبّح ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق اللّه آدم ركز ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقا في صلب عبد المطّلب، فجزء أنا وجزء علي. وروى ابن المغازلي، بإسناده، عن سلمان، قال: سمعت حبيبي محمداً يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي اللّه عزّ وجلّ يسبّح اللّه ذلك النور ويقدّسه، فلمّا خلق اللّه آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقا في صلب عبد المطّلب، ففيّ النبوّة، وفي علي الخلافة. وفي رواية اُخرى، عن جابر... فأسكنها في صلب آدم، فساقها حتّى قسمها جزئين، جزء في صلب عبد اللّه، وجزء في صلب أبي طالب، فأخرجني نبياً، وأخرج علياً وصياً(2). وهناك العشرات بل المئات من الروايات التي تذكر الحقيقة المحمدية والحقيقة العلوية ونورهما وأنّهما من نور اللّه سبحانه قد رواها الفريقان بأسانيدهم ____________ 1- قادتنا كيف نعرفهم 1: 41، عن فرائد السمطين 1: 40. 2- مناقب علي بن أبي طالب: 88. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 101 -------------------------------------------------------------------------------- المعتبرة، وإنّما نكتفي ببعض الروايات مع حذف السند طلباً للاختصار، وليكون ما سطرناه الخطوة الاُولى لمسيرة ألف ميل، والكلمة الاُولى لمن أراد التفصيل. قال الحافظ البرسي: محمد وعلي نور واحد، وإنّما انقسما تسمية ليمتاز النبي عن الولي، كما امتاز الواحد عن الأحد، فكلّ أحد واحد ولا ينعكس، وكذا كلّ نبيّ ولي ولا ينعكس، فلهذا لا توزن الأعمال يوم القيامة إلاّ بحبّ علي، لأنّ الولاية هي الميزان(1). الثالث عشر : ـ الحروف الهجائية في اللغة العربية يتكوّن من 28 حرفاً، وفيها الحروف المنقّطة، ولولا النقطة لاختلّت الحروف وتناثرت وتهاوت، وكذلك نقطة البسملة علي المرتضى (عليه السلام)، فلولاه لاختلّ النظام التشريعي والتكويني، فإنّ القوم نحّوا عليّاً (عليه السلام) عن الخلافة الحقّة، فأدّى ذلك إلى الابتعاد عن النظام التشريعي والدين المحمّدي الأصيل، وأصاب المسلمين الذلّ والانكسار، وتفرّقوا شِيعاً، وذهبت شوكتهم وعزّتهم، وإنّما ينالوها مرّة اُخرى لو رجعوا إلى الحقّ والصدق، وإنّ علياً مع الحق والحق مع علي (عليهم السلام)، دار الحقّ معه أينما يدور. الرابع عشر : ـ كلّ الحروف والأعداد تفتقر في جوهرها وتكوينها وحقيقتها إلى النقطة دون العكس، وكذلك الموجودات في قوامها وإيجادها تفتقر إلى الإمام الحقّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ولمّا سأل سائل عن دليل إمامته، أجابهم بالبرهان العقلي: احتياج الكلّ إليه واستغنائه عن الكلّ دليل على أنّه إمام الكلّ في الكلّ، فهو النقطة في عالم الموجودات وبوجوده ثبتت الأرض والسماء، ____________ 1- قادتنا كيف نعرفهم 1: 46، عن مشارق أنوار اليقين: 66. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 102 -------------------------------------------------------------------------------- وبيمنه رزق الورى. فهو حجة اللّه على الخلائق، وهو الكشّاف للحقائق. الخامس عشر : ـ روى الفريقان ـ السنّة والشيعة ـ في صحاحهم، عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ به ببسم اللّه فهو أبتر»، فلا بدّ من ذكر اللّه عند كلّ أمر حتى يكون مباركاً، وقال سبحانه وتعالى: {اذْكُرُونِي أذْكُرُكُمْ}، وعلي (عليه السلام) مظهر ذكر اللّه، فإنّه يذكّر الناس باللّه سبحانه، فهو ذاكر ومذكّر، وهو النقطة تحت البسملة، فلا يتمّ ذكر اللّه إلاّ به، وفي أحاديثنا عن أئمتنا الأطهار (عليهم السلام): «بنا عُرف اللّه»، «بنا عُبد اللّه»، «سبّحنا فسبّحت الملائكة، وكبّرنا فكبّرت الملائكة»، فلا يصحّ ولا يتمّ ذكر اللّه حقّاً والتوجّه إليه صدقاً إلاّ من ناحيتهم (عليهم السلام)، «أنتم وجه اللّه الذي يتوجّه إليه الأولياء». وروي عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «ذكر عليّ عبادة»، و «حبّ عليّ حسنة لا يضرّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة»(1). السادس عشر : ـ الباء في البسملة عند المشهور من علماء التفسير والأدب إنّما هي للاستعانة، وبدون النقطة لا تكون بائها باءً، ولا يمكن تلاوتها، وهذا يعني أنّه من دون المولى (عليه السلام) لا يمكن أن يستعان بالبسملة(2). وقال العلاّمة الشيخ محمد حسين الاصفهاني في تفسيره(3)، في وجوه تعليق الاستعانة باسم الجلالة وكيفيّتها: ثمّ إنّ في تعليق الاستعانة وما شابهها ____________ 1- بحر المعارف: 398. 2- هذا الوجه وبعض الوجوه الموجزة الاُخرى أشار إليها زميلنا وصديقنا الفاضل الحجة السيد حسن الأحمدي وصديقنا العزيز وزميلنا الحجة الشيخ حسين الكنجي، جزاهما اللّه خيراً، وأسعدهما في الدارين. 3- مجد البيان: 216. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 103 -------------------------------------------------------------------------------- باسم اللّه سبحانه في البسملة وسائر المقامات كقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} و {اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ} و {تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} و {فَسَبِّحِ بِاسْمِ رَبِّكَ} وغير ذلك، وجهين: أحدهما : ـ أن يكون المنسوب إليه هو اللّه سبحانه لا الاسم كقول (لبيد): «إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما»، وهذا يمكن أن يكون نحو تعظيم في التعبير كما شاع ذكر الجناب ونحوه عند إرادة العرض على الأكابر، مع أنّ المنسوب إليه هو الكبير بنفسه، وأن يكون المراد من الاسم المذكور هو المسمّى، كما صرّح به بعضهم في الآية الاُولى. وثانيهما : ـ أن يكون الاستعانة بنفس الاستعانة وما شاكلها، متعلّقة بنفس الاسم من حيث كون الاستعانة به استعانة بالمسمّى، وكونه وسيلة إليه سبحانه، سواء جعل الاسم بمعنى اللفظ كما هو ال منه عند العامة، فيكون إسناد التسبيح والتبارك إليه باعتبار كونه منزّها عن الدلالة على ما يشعر بنقص، وكونه موجباً للبركة لمن واظب عليه أو ذكر اللّه سبحانه به، أو عبارة عن حقيقة ذلك الاسم في عالم الربوبية، فإنّ للناس حقائق في أعلى درجات عالم الامكان، وحينئذ فنسبة التنزيه والبركة والاستعانة إليه حقيقة إمكانية، يعني في مقام نسبة الأشياء الإمكانية بعضها إلى بهض، وهذا الوجه أدلّ على تنزيه الحقّ وتباركه وكونه المستعان به من حذف الاسم وجعل المسمّى متعلّق النسبة. ولعلّ أوجه الوجوه أن يقال: لمّا كان ذات الحقّ سبحانه منزّهاً عن تعلّق إدراكنا به وغيباً محضاً لا يصحّ الاشارة إليه لا عقلا ولا وهماً، ظاهراً لنا بصفاته وأسمائه وأفعاله وآثاره، وكان صفاته الذاتية عين الذات الممتنعة عن الادراك افتقر الداعي والمستعين والمسبّح إلى وجهة يتوجّه بها إليه سبحانه من أسمائه الكلية والجزئية {وَلِلّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فَادْعُوهُ بِها} بمنزلة القاصر عن مشاهدة -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 104 -------------------------------------------------------------------------------- الشمس بعينه المتوسّل إلى ملاحظتها بالماء الصافي أو المرآة الصافية، فإنّ الاسم من حيث أنّه اسم وعلامة للشيء لا يعتبر له استقلال وهوية بل يلاحظ به المسمّى ويجعل آلة للحاظه، كالناظر إلى الشمس من المرآة والماء فإنّه ينبغي غفلته عن ملاحظة صفات الماء والمرآة واستغراقه في مشاهدة صفات الشمس الظاهرة له بتوسّط الماء، فتسبيحه حينئذ لما ظهر في الماء تسبيح للشمس، والماء مظهر لها. وأمّا من يرى الماء شيئاً مستقلا ويشاهده وصفاته فهو غير ناظر إلى الشمس ولا إلى علامته، بل إلى أمر آخر محتجب به عن الشمس، وكذا المستعين بحقائق الأسماء الإلهية أو ألفاظها ومسبّحها قد يكون مسبّحاً له سبحانه ومستعيناً به بإيقاع الألفاظ والحقائق عليه وهو الموحّد في ذلك المقام، وقد يكون مسبّحاً للألفاظ والحقائق ومحتجباً بها عنه سبحانه وهو من أخفى أقسام الشرك، انتهى كلامه رفع مقامه. وإنّما ذكرت ما بيّنه في معنى الاستعانة بسم اللّه لما فيه من الدقّة والظرافة، ونقول في أمير المؤمنين علي المرتضى وأنّه يستعان به لا على نحو الاستقلالية، بل هو من أسماء اللّه وأنّه مرآة صافية تطبع فيها حقائق الأسماء الإلهية، وهذا من عين التوحيد الخالص، فإنّ ذات الحقّ سبحانه منزّهاً عن تعلّق إدراكنا وفهمنا به، فكلّ ما نتصوّره فهو مخلوق لنا، فإنّه غيب محض لا يصحّ الإشارة إليه لا عقلا ولا وهماً، وإنّما يظهر لنا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله وآثاره المتجلّية في أتمّ مخلوقاته، محمد وآله الطاهرين، فتدبّر جيّداً. ثمّ يستعان بأمير المؤمنين في كلّ الاُمور، فهو مظهر لتمام الاستعانة باللّه سبحانه، فإنّ نهاية أدب العبد غمض العين عن حوله وقوّته والإلتجاء إلى اسم ربّه والاعتصام به والاستعانة به في جميع شؤونه وأفعاله، إلى أن يصل إلى مقام -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 105 -------------------------------------------------------------------------------- يغني عن مشاهدة نفسه فاعلا ومريداً، ويرى ذاته فاعلا ومريداً باللّه سبحانه، وروي عن النبيّ الأكرم: «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر». وروي في التوحيد عن الإمام الرضا (عليه السلام) ـ بعد السؤال عن ترجمة البسملة ـ، أنّه قال: «معنى قول القائل (بسم اللّه)، أي: أسمُ على نفسي سمة من سمات اللّه عزّ وجلّ، وهي العبادة. قال الراوي: فقلت له: ما السمة؟ قال: العلامة»(1). «فإنّ التسمية بهذه الكيفية متحقّق بمقام العبودية التي هي علامة الربوبية ومظهرها، فإنّ العبودية فناء وتبعية وقابلية وسؤال والتجاء واعتصام واستمداد، والربوبية كمال وجود وإعطاء وإمداد وإيجاد ونفاذ كلمة وتأثير، والأوّل علائم ومظاهر للآخر، والمسمّى بذلك المعنى دالّ على ربّه فاعل به، وتاركها كذلك مظهر نفسه في فعله ومحتجب عن ربّه بذاته وصفاته وأفعاله، والعلامة ما كان كاشفاً عن المعنى الذي هي علامة له، لا حاجباً ساتراً عنه. فمن وضع التسمية على نفسه فقد وسم نفسه بسمة اللّه علامته»(2). «ثمّ الرواية يؤيّد ما ذهب إليه الكوفيون من كون الإسم أصله الوسم والسمة، لأنّ الإسم علامة للمسمّى، خلافاً للبصريين، فذهبوا إلى أنّ أصله السموّ بمعنى العلوّ، والمناسبة أنّ التسمية تنويه للمسمّى وإعلاء له، أو أنّ اللفظ معرّف للمعنى، والمعرّف متقدّم على المعرّف في المعلومية فهو عال عليه، وكلاهما بعيدان، وإن كان اشتقاق الأسماء واُسمّي وسمّيت في الجمع والتثنية وبناء الفعل يؤيّده»(3). السابع عشر : ـ في الخبر النبوي الصحيح عند الفريقين: «لا صلاة إلاّ ____________ 1- التوحيد: 229، وتفسير الصافي 1: 45، والبحار 9: 230. 2- مجد البيان: 215. 3- مجد البيان: 216. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 106 -------------------------------------------------------------------------------- بفاتحة الكتاب»، وبداية الفاتحة البسملة وأمير المؤمنين نقطتها، ولولا النقطة لما كانت البسملة ولما صحّ الدخول في الصلاة، وبدون ولايته (عليه السلام) لا تصحّ الصلاة ولا تقبل العبادة يوم القيامة، ولو كانت ذلك ليلا ونهاراً، كما صحّ وثبت في الأخبار المروية عند الفريقين. قال العلاّمة الهمداني في كتابه(1): «ثمّ اعلم أنّ اللّه تعالى أوحى إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله)أنّ علياً (عليه السلام) هو السرّ المودع في فواتح السور والإسم الأعظم الأكبر الموحى إلى الرسل من البشر، والسرّ المكتوب على وجه الشمس والقمر والشجر والمدر، بل كلّ شيء خلق كما تقدّم من الخبر والأثر، وإنّه ذات الذوات في الذوات للذات، لأنّ أحدية الباري منزّهة عن الأسماء والصفات متعالية عن النعوت والإشارات، وأنّه الإسم الذي إليه ترجع الحروف والعبارات، والكلمة المتضرّع بها إلى اللّه سائر البريات، وإنّه الغيب المخزون بين اللام والهاء والكاف والنون، فقال سبحانه: {حمعسق كَذلِكَ يُوحى إلَيْكَ وَإلى الذِينَ مِنْ قَبْلِكَ}، قال الصادق (عليه السلام): (عسق) سرّ علي (عليه السلام)، فجعل اسمه الأعظم مرموزاً في فواتح سور القرآن وفاتحته، وإليه الإشارة بقوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»، ولا صلاة للربّ إلاّ بحبّ عليّ (عليه السلام) ومعرفته، ويظهر من ذلك وما سبق أنّ الوليّ هو المحيط بكلّ شيء، فهو محيط بالعالم، واللّه من ورائه محيط، وقد ظهر من أخبار معراج النبيّ (صلى الله عليه وآله)أنّ علياً (عليه السلام) أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بكلّ ما وقع له واطّلع عليه. وقد ظهر من ذلك سرّ كتابة اسمه الشريف على كلّ شيء، وقال تعالى: {وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْناهُ فِي كِتاب مُبِين}، فأخبرنا سبحانه أنّ جميع ما جرى به قلمه وخطّه في اللوح المحفوظ ____________ 1- بحر المعارف: 440. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 107 -------------------------------------------------------------------------------- من الغيب أحصاه في الإمام المبين، وهو اللوح الحفيظ في الأرض والسماء، وهو الإمام المبين، فاللوح المحفوظ علي (عليه السلام)... وإنّ الوليّ المطلق ولايته شاملة للكلّ ومحيطة بالكلّ واللوح داخلة فيها فهو دالّ على المحفوظ... فعليّ سرّ الأسرار وآية الجبّار، التي ينفذ عدّ فضائله رمل القفار وورق الأشجار وطيّار البحار، ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات اللّه إنّ اللّه عزيز حكيم، فمعرفة العامة لعلي (عليه السلام) أنّه فارس الفرسان وقاتل الشجعان، ومعرفة الخاصة أنّه أفضل من فلان وفلان، فلذلك إذا سمعوا أسراره أنكروا واستكبروا وجهلوا وهم في جهلهم غير ملومين، لأنّهم لو عرفوا أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله) هو الواحد المطلق وأنّ علياً (عليه السلام) هو الولي المطلق، الولاية على الكلّ والسبق على الكلّ والتصرّف في الكلّ، لأنّهما العلّة في وجود الكلّ، فلهما السيادة على الكلّ لأنّهما خاصة إله الكلّ، ومختار معبود الكلّ، سبحان إله الكلّ وربّ الكلّ وفالق الكلّ ومفضّل محمد وعلي (عليهما السلام) على الكلّ والمستعبد لولايتهم وطاعتهم الكلّ». الثامن عشر : ـ في الحديث الشريف، قال النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله): «مَن أراد أن ينجو من الزبانية فليقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفاً ليجعل اللّه كلّ حرف منها جُنّة من واحد منها»(1). وعلى أبواب وطبقات جهنّم تسعة عشر من الملائكة الغلاظ كما في سورة المدّثر: {عَلَيْها تِسْعَةُ عَشَر}، ونقطة الباء هو المولى، فمن دونه لا يمكن النجاة من الزبانية، فهو قسيم الجنّة والنار. عليّ حبّه جُنّة قسيم النار والجَنّة ____________ 1- مجد البيان: 267، والبحار 92: 257. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 108 -------------------------------------------------------------------------------- وصيّ المصطفى حقّاً إمام الإنس والجِنّة وفي زيارة الجامعة الكبيرة: «من أتاكم نجا، ومن لم يأتكم هلك». وفي الحديث النبوي المتواتر عند الفريقين: «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق وهوى». روى الحمويني، بإسناده، عن أبي هريرة أنّه قال: لمّا خلق اللّه تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه، التفت آدم إلى يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجّداً ركّعاً، قال آدم: يا ربّ، هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة من الأشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنّة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجنّ، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العليّ وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزّتي إنّه لا يأتيني أحد مثال ذرّة من خردل من بغض أحدهم إلاّ أدخلته ناري ولا اُبالي، يا آدم هؤلاء صفوتي من خلقي بهم اُنجيهم وبهم اُهلكهم، فإذا كان لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسّل. فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): نحن سفينة النجاة من تعلّق بها نجا ومن حاد عنها هلك، فمن كان له إلى اللّه حاجة فليسأل بنا أهل البيت(1). حبّ علي (عليه السلام) حبّ اللّه جلّ جلاله: قال النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ اللّه عهد إليّ عهداً، فقلت يا ربّ، بيّنه لي؟ فقال: إسمع، إنّ علياً راية الهدى وإمام أوليائي ونور ____________ 1- فرائد السمطين 1: 36. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 109 -------------------------------------------------------------------------------- مَن أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، مَن أحبّه فقد أحبّني، ومَن أطاعه فقد أطاعني. رواه في حلية الأولياء من كتب العامة(1). التاسع عشر : ـ كلمة التوحيد والشهادة الاُولى: (لا إله إلاّ اللّه) ليس فيها النقطة، فإنّ اللّه سبحانه هو الغنيّ وما سواه فقير إليه، فما سواه (أنتم الفقراء) يحتاج إليه، فهو واجب الوجود لذاته مستجمع جميع الصفات الكمالية والجمالية، فذاته المقدّس سبحانه وتعالى ثبوتاً، لا يحتاج إلى النقطة وهو المولى، فكلمة اللّه هي العليا، لا يحتاج إلاّ إلى اللّه سبحانه، إلاّ أنّه في مقام الاثبات والمعرفة والعبودية لا بدّ من معرّف كما في الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفياً فخلقت الخلق لكي اُعرف»، فالخلق كلمات اللّه، وقال الإمام الرضا في الحديث الصحيح: «كلمة لا إله إلاّ اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي»، ثمّ قال (عليه السلام): «بشرطها وأنا من شرطها»، فلولا الولاية لما كمل النبوّة والتوحيد، وإذا أردنا أن نعرف اللّه ونثبت الصانع سبحانه، إنّما يكون ذلك بأنوار الأنبياء والأولياء وعقولهم النيّرة ـ بنا عرف اللّه وعُبد ـ. وزبدة الكلام أنّ التوحيد وكلمته في مقام الثبوت غني بالذات فلا يفتقر إلى النقطة، ولكن في مقام الإثبات والدلائل والبراهين لا بدّ من مرشد عقلي ودليل نقلي، وسيد البراهين الساطعة والأدلّة الواضحة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)نقطة باء البسملة. العشرون : ـ قال اللّه سبحانه وتعالى: {لا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرُ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ}، ____________ 1- إثبات الهداة 4: 108، الباب العاشر في النصّ على علي (عليه السلام) من طرق العامة. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 110 -------------------------------------------------------------------------------- فيجب عند الذبح والنحر ذكر اللّه وبسم اللّه، وإلاّ فتكون الذبيحة ميتة ويحرم أكلها، قال أمير المؤمنين: «أنا النقطة»، فحلّية الذبيحة تحتاج إلى البسملة التي نقطتها علي المرتضى (عليه السلام)، وقد أفتى بعض الأعلام المعاصرين بعدم كفاية ذبيحة المخالف في الهدي في منى. الواحد والعشرون : ـ يجب الجهر بالبسملة في الصلوات الجهرية كالصبح، ويستحبّ في الاخفاتية كالظهرين(1)، ونقطة الباء أمير المؤمنين علي المرتضى، ____________ 1- جاء في مجد البيان في تفسير القرآن: 259: عن القمي عن الصادق (عليه السلام)، أنّها: أحقّ ما يجهر به ـ بالبسملة ـ، وهي الآية التي قال اللّه عزّ وجلّ: (وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُوراً)، ولعلّ الوجه في رجحان الإجهار به كما في غيره من الأخبار أيضاً هو أنّ الإجهار نوع من الإظهار، وإظهار التحقّق بمقام البسملة في عالم الملك الإنساني والكبير موجب لظهور فيوضاتها وبركاتها ودفع الشياطين فيما ظهرت فيها، وفي كونه ذكراً للربّ وحده واشتمال مدلولها على كثير من معاني التوحيد كما يظهر ممّا أسلفناه، وفي تنفّرهم عنه وتولّيهم على أدبارهم نفرتهم عن التوحيد وإعراضهم عن هذه الأسماء والتحقّق بها والتخلّق بموجبها، وعمّن كان شأنه وصفته ذلك، كما أنّه يبعد بسبب قرائتها على وجه الحقيقة وأشباههم الداخلية في عالم القلب الإنساني. والعياشي، عنه (عليه السلام)، قال: «ما لهم قاتلهم اللّه، عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّه فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها»، والظاهر أنّها تعريض بالعامة، المنكر ثلّة منهم لكونها جزءاً من السورة، وبعض للجهر بها في الصلاة، كما أنّ المنكرين للجزئية هم المراءون بما رواه عن الباقر (عليه السلام): «سرقوا أكرم آية في كتاب اللّه: بسم اللّه الرحمن الرحيم»، والوجه في كون البسملة أكرم آية وأعظم آية، يظهر ممّا قدّمناه وفصّلناه في تفسيرها، وممّا يأتي ـ إن شاء اللّه تعالى ـ. => -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 111 -------------------------------------------------------------------------------- ____________ <= وروى البرقي في المحاسن، عن الصادق، أنّه قال: «ما نزل كتاب من السماء إلاّ وأوّله بسم اللّه الرحمن الرحيم». وروى الشيخ الطوسي في الصحيح على الظاهر، عن محمد بن مسلم، أنّه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم، أهي الفاتحة؟ قال: نعم، قلت: بسم اللّه الرحمن الرحيم من السبع المثاني؟ قال: هي أفضلهنّ». وعن الكافي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، أنّه قال: كتموا بسم اللّه الرحمن الرحيم، فنعم واللّه الأسماء كتموها، كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) إذا دخل منزله واجتمعت عليه قريش يجهر بسم اللّه الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته فتولّي قريش فراراً، فأنزل اللّه في ذلك: (وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُوراً). وروى الشيخ عن أبي حمزة، أنّه قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): «يا ثمالي، إنّ الصلاة إذا اُقيمت جاء الشيطان إلى قرين الإمام، فيقول: هل ذكر ربّه؟ فإن قال نعم، ذهب، وإن قال لا، ركب على كتفيه، فكان إمام القوم حتّى ينصرفوا. قال: فقلت: جعلت فداك، أليس يقرأون القرآن؟ قال: بلى، ليس حيث تذهب يا ثمالي، إنّما هو الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم». وإنّما جعل البسملة في أوّل السورة لما روى الصدوق في العلل والكليني في الكافي بأسانيد معتبرة عن جماعة من أجلاّء أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) في ذكر صلاة ليلة المعراج بطوله: «ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ قال: يا محمد، استقبل الحجر الأسود وهو بحيالي، وكبّرني بعدد حجبي، فمن أجل ذلك صار التكبير سبعاً، لأنّ الحجب سبع، وافتتح القراءة عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنّة، والحجب مطابقة ثلاثاً بعدد النور => -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 112 -------------------------------------------------------------------------------- فمن الإيمان الكامل الجهر بمحبّته وولايته، وقد قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): «علائم المؤمن خمس: التختّم باليمين، وتعفير الجبين، وزيارة الأربعين، والصلاة إحدى وخمسين، والجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم». فكان التختّم باليمين في عصرهم من علائم التشيّع والإيمان الكامل، مخالفة لأصحاب معاوية وشيعته، الذين كان شعارهم التختّم باليسار إحياءً لقضية التحكيم في حرب صفّين، حيث خلع عمرو بن العاص حيلةً ومكراً أمير المؤمنين علياً (عليه السلام)، ثمّ أخرج خاتمه من يمينه وجعله في يساره، وقال: خلعت علياً ونصبت معاوية للخلافة، كجعل الخاتم من يميني بيساري. فصار التختّم باليسار شعار الأمويين، كما صار التختّم باليمين شعار العلويين. وقال اللّه سبحانه: {قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةُ في القُرْبى}، والمودّة غير المحبّة، فإنّها المحبّة مع إظهارها وإعلانها والفداء دونها مالا ونفساً. إلاّ أنّ المخالفين لعنهم اللّه، كما ورد في الخبر، سرقوا آية من كتاب اللّه أو أخفوها، فالمؤمن يجهر بالبسملة ونقطتها ويضحّي من أجل ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كميثم التمّار ورشيد الهجري وحجر وعمّار بن ياسر، واللعن الدائم ____________ <= الذي اُنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) ثلاث مرّات، فلذلك كان الافتتاح ثلاث مرات، فلأجل ذلك كان التكبير سبعاً والافتتاح ثلاثاً. فلمّا فرغ من التكبير والافتتاح قال اللّه عزّ وجلّ: الآن وصلت إليّ، فسمّ باسمي، فقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فمن أجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم في أوّل السورة... إلى آخر الحديث». وهو مشتمل على معان تكلّ العقول عن إدراكها إلاّ قليلا، ومنها نشير إلى نبذة تتعلّق بهذه السورة في خلال التفسير بما يخطر تصوّره بالبال، واللّه العالم بحقيقة الحال، فيذكر بعض المطالب العرفانية الرفيعة، فراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 113 -------------------------------------------------------------------------------- على من حذف النقطة من تحت الباء. ومهما أراد الأعداء أن يكتموا فضائله (عليه السلام)، فإنّه لا يزال يرنّ صوت محمد ابن إدريس إمام الشافعية في مقولته المشهورة: «عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسداً وكتمها محبّوه خوفاً، وخرج ما بين ذين ما طبّق الخافقين»(1). وأنشدنا الشيخ أبو بكر بن فضل اللّه الحلبي الواعظ لبعضهم: يـا حبّذا دوحـة في الخلد ثابتة مـا فـي الجنان لها شبه من الشجر المصطفى أصلها والفرع فاطمة ثـمّ اللـقـاح عـلــي سيد البشر والـهاشـمـيان سبطاها لهاشم والـشـيـعـة الورق الملتفّ بالثمر هـذا حديث رسول اللّه جاء به أهـل الروايـة في العالي من الخبر إنّـي بـحبّهم أرجو النجاة غداً والفوز مع زمرة من أحسن الزمر(2) وروى القندوزي من أبناء العامة، بإسناده، عن علي (عليه السلام)، قال: إنّي لنائم يوماً إذ دخل رسول اللّه فنظر إليّ وحرّكني برجله، وقال: قم يفدى بك أبي واُمّي، إنّ جبرئيل أتاني فقال لي: بشّر هذا بأنّ اللّه تعالى جعل الأئمة من صلبه، وأنّ اللّه تعالى يغفر له ولذريّته ولشيعته ولمحبّيه، وإنّ من طعن عليه وبخس حقّه فهو في النار(3). وروى الخوارزمي، بإسناده، عن أنس، قال: قال رسول اللّه: خلق اللّه تعالى من نور وجه علي بن أبي طالب (عليه السلام) سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه ____________ 1- علي في الكتاب والسنّة 3: 26. 2- قادتنا كيف نعرفهم 2: 430، عن كفاية الطالب: 425. 3- المصدر. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 114 -------------------------------------------------------------------------------- يوم القيامة(1). وروى السخاوي، بإسناده، أنّ رسول اللّه قال لعلي: أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض رواءً مرويين مبيضّة وجوهكم، وإنّ عدوّكم يردون عليّ ضماءً مقمحين(2). قال ابن حجر: أخرج مسلم، عن علي، قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبي الاُمّي إليّ أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق. وقال: وأخرج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا نعرف المنافقين ببغضهم علياً(3). وروى، بإسناده، عن ابن عمر، قال: سألت النبي عن علي بن أبي طالب كرّم اللّه تعالى وجهه، فغضب فقال: ما بال أقوام يذكرون من له منزلة كمنزلتي، ألا مَن أحبّ علياً فقد أحبّني، ومن أحبّني رضي اللّه تعالى عنه، ومن رضي اللّه عنه كافاه بالجنّة. ألا من أحبّ علياً يقبل صلاته وصيامه وقيامه واستجاب اللّه له دعاه، ألا ومَن أحبّ علياً استغفر له الملائكة وفتحت له أبواب الجنان، فدخل من أي باب شاء بغير حساب، ألا ومَن أحبّ علياً لا يخرج من الدنيا حتّى يشرب من الكوثر ويأكل من شجرة طوبى ويرى مكانه في الجنّة، ألا ومَن أحبّ علياً هوّن اللّه عليه تبارك وتعالى سكرات الموت وجعل قبره روضة من رياض الجنّة... ____________ 1- المصدر. 2- المصدر. 3- المصدر 1: 263. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 115 -------------------------------------------------------------------------------- وهناك المئات من الأحاديث الشريفة الواردة في حبّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في مصنّفات السنّة فضلا عن كتب الشيعة. فاعتبروا يا اُولي الأبصار، ولمثل هذا يضحّون أمثال ميثم التمّار وحجر بن عدي وشهداء الفضيلة على مرّ التأريخ، أرواحهم الزكية فداءً لمحبّة وعشق أمير المؤمنين أسد اللّه الغالب مولانا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهنيئاً لهم الشهادة المباركة ورزقنا اللّه ذلك وحشرنا في زمرتهم، آمين يا ربّ العالمين. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): لو أنّ عبداً عبد اللّه مثل ما قام نوح (عليه السلام) في قومه وكان له مثل جبل اُحد ذهباً فأنفقه في سبيل اللّه ومدّ في عمره حتّى حجّ ألف حجّة على قدميه، ثمّ قتل مظلوماً، ثمّ لم يوالِكَ يا علي، لم يشمّ رائحة الجنّة(1). وقال (صلى الله عليه وآله): حبّ علي (عليه السلام) يأكل السيّئات كما تأكل النار الحطب. وروى أبو عبد اللّه الحسين بن جبير في كتاب نخب المناقب لآل أبي طالب حديثاً مسنداً إلى الرضا (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى فليتمسّك بحبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام). وروى الصدوق، بإسناده، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): حبّي وحبّ علي بن أبي طالب وحبّ أهل بيتي نافع في ستّة مواطن أهوالهنّ عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الميزان، وعند الصراط(2). ____________ 1- بحر المعارف: 299. 2- المصدر: 398. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 116 -------------------------------------------------------------------------------- الثاني والعشرون : ـ جاء في بحر المعارف، حينما يتحدّث المصنّف عن فضائل أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين ويعسوب الدين وقائد الغرّ المحجّلين مولانا أسد اللّه الغالب والشهاب الثاقب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال ما هذا لفظه: «وما علمنا من سرّ عظمته إلاّ نقطة هي الباب الدالّ على الجناب، وليس بينهما وبين اللّه من حجاب، فهي السرّ والحجاب، فعليّ صفة اللّه وقدرة اللّه وكلمة اللّه واسم اللّه العظيم، وإنّ ثقل قدرة اللّه وتحمّلها وتحمّل ثقل السماوات صحفاً والجنّ والإنس كتّاباً لنفذ المداد، والأرضين السبع وجبرئيل وغيره قد خلقوا من شعاع نور محمد وعلي، وهما خلقا من نور ذي الجلال. ولهذا قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): لو كانت البحار مداداً والغياض أقلاماً والسماوات صحفاً والجنّ والإنس كتّاباً لنفد المداد وكلّت الثقلان أن يكتبوا معشار عشر فضائل عليّ. ويشهد للنبيّ كتاب الربّ العليّ، قال: {لَوْ كانَ البَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفَدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَد كِلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مِداداً}، وقد تقدّمت الأخبار أنّ أكبر كلمات اللّه وأعظمها علي (عليه السلام)، وأنّه آية اللّه العظمى، فله الفضائل والمناقب التي لا تحصى، فكيف يعرفه البرايا، وقد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «يا علي، ما عرفك إلاّ اللّه وأنا، وما عرفني إلاّ اللّه وأنت، وما عرف اللّه إلاّ أنا وأنت»، فكيف يكون مثل الناس وهم يدّعون معرفته، وقد روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام): «مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه»، ومعرفة النفس هو أن يعرف الإنسان مبدأه ومنتهاه، من أين وفي أين وإلى أين؟ وذلك موقوف على معرفة الحقيقة التي هي الوجود المقيّد، وهو معرفة الفيض الأوّل الذي فاض عن حضرة ذي الجلال، ثمّ فاض عنه الوجود بأمر واجب الوجود وفيض الجود، وذلك هو النقطة الواحدة التي هي مبدأ الكائنات ونهاية الموجودات وروح الأرواح ونور الأشباح، وهو أوّل العدد وسرّ الواحد الأحد، وذلك لأنّ ذات اللّه غير معلومة للبشر، -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 117 -------------------------------------------------------------------------------- فمعرفته بصفاته، والنقطة هي صفة اللّه، والصفة تدلّ على الموصوف، لأنّ بظهورها عرف اللّه، وهي لألاء النور الذي شعشع عن جلال الأحدية في سماء الحضرة المحمدية، وإليه الإشارة بقوله: «لولانا ما عرف اللّه، ولولا اللّه ما عرفنا»، فهو النور الذي أشرقت منه الأنوار، والواحد الذي ظهرت عنه الأحاد، والسرّ الذي نشأت عنه الأسرار، والعقل الذي فاضت منه العقول، والنفس الذي صدرت عنه النفوس، واللوح الحاوي لأسرار الغيوب، والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، والعرش العظيم المحيط لكلّ شيء عظمة وعلماً، والعين التي ظهر عنها كلّ عين، والحقيقة التي يشهد لها بالبدء كلّ موجود، كما شهدت هي بالأحدية لواجب الوجود، فتاه عرفان العارفين عن الوصول إلى محمد وعلي (عليهما السلام) بحقيقة معرفتهم، أو بمعرفة حقيقتهم، لكنّ ذلك الباب مستور بحجاب، وما اُوتيتم من العلم إلاّ قليلا، وإليه الإشارة بقولهم (عليهم السلام): «إنّ الذي خرج إلى الملائكة المقرّبين من معرفة آل محمد (صلى الله عليه وآله) قليل من الكثير»، فكيف إلى عالم البشرية. ومن هذا المقام عنوا بقولهم في أخبار متواترة متقدّمة: «إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ نبيّ مرسل أو مَلَك مقرّب أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان»، فمن اتّصل بشعاع نورهم فقد عرف نفسه، لأنّه قد عرف عين الوجود وحقيقة الموجود وفردانية ربّ المعبود، فمعرفة النفس هي حقيقة الوجود المقيّد، وهي النقطة الواحدة، التي ظاهرها النبوّة وباطنها الولاية، فمن عرف النبوّة والولاية بحقيقة معرفتهما، فقد عرف ربّه، فمن عرف محمداً وعلياً (عليهما السلام) فقد عرف ربّه...»(1). «وروى ابن عبّاس، عن علي (عليه السلام)، أنّه شرح له في ليلة واحدة من حين ____________ 1- بحر المعارف: 423. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 118 -------------------------------------------------------------------------------- أقبل ظلامها إلى حين أسفر صباحها واُطفي مصباحها في شرح الباء من (بسم اللّه) ولم يتعدّ إلى السين، وقال: لو شئت لأوقرت أربعين وقراً من شرح بسم اللّه». وفي بعض النسخ بعيراً بدل وقراً. بيان عرشي: لا يذهب عليك أنّ فهم هذا الحديث «وأنا النقطة تحت الباء»، لا بدّ من توضيح وبيان، وكذا قول أهل المعرفة: بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تمّ تميّز العابد عن المعبود، وذلك إشارة إلى تنزّل الحقّ وظهوره بصورة الخلق كتنزّل الألف وظهوره بصورة الحروف، لأنّ تعيّن الحقّ المطلق الذي هو المعبود بصورة الخلق المقيّد الذي هو العابد، ليس إلاّ بسبب النقطة التعيّنية الوجودية الإضافية المسمّاة بالإمكان والحدوث، التي تحت الوجود البائن الأوّلي الإمكاني المسمّى بالعقل الأوّل تارة وبالروح الأعظم اُخرى، المتميّز بها العابد الذي هو العبد عن المعبود الذي هو الربّ، وكذلك الحروف لأنّ تعيّن الألف المجرّد الذي هو بمثابة الذات بصورة الباء المقيّد، ليس إلاّ بسبب النقطة التعينية البائية تحت الباء، المتميّز بها الباء عن الألف، لأنّ الألف إذا نزل من حضرة إطلاقه إلى حضرة تقيّده في صورة البائية، التي هي أوّل مراتبه في عالم الكثرة، لم يكن تميّزه عنه إلاّ بالنقطة البائية المتميّز بها عن غيره من الحروف، وكذلك الحقّ تعالى، فإنّه إذا نزل من حضرة ذاته ومقام إطلاقه وصورة أحديّته إلى صورة تقيّده وتعيّنه المعبّر عنه بصورة الإمكان في حضرة واحديّته، لا يكون تميّز تلك الصورة المقيّدة عنه إلاّ بالنقطة القيدية الإمكانية الواقعة تحت تعيّنه، المتميّز بها عن غيره من الموجودات، وأوّل تلك الصورة المقيّدة تارة تسمّى بالعقل، وتارة بالروح، وتارة بالنور، إلى آخر الموجودات، كما يسمّى أوّل الصورة المقيدة الحروفية تارة بالباء وتارة بالجيم وتارة بالدال إلى آخر الحروف، ولعظمة الصورة المقيدة -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 119 -------------------------------------------------------------------------------- الاُولى التي هي بإزاء الباء من الحروف، ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): «ظهر الموجودات من باء بسم اللّه الرحمن الرحيم»، وبسبب أنّ تقييدها وتمييزها كان بالنقطة البائية التميّزية، أعني الإمكانية الحدوثية، ورد عن علي (عليه السلام): «أنا النقطة تحت الباء»، ورد عن الكملّ: «بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تميّز العابد عن المعبود»، فلا سرّ أعظم من الباء، والنقطة بعد الألف أعني العقل الأوّل، وحقيقة الإنسان المعبّر عنهما بالباء، والنقطة بعد الذات الأحدية المعبّر عنها بالألف، ومن هنا قال علي (عليه السلام): «العلم نقطة كثّرها الجاهلون»، وكيفية الاطلاع من وجهين: إمّا أن يكون من الوحدة إلى الكثرة، ومن المبدأ إلى المنتهى، الذي هو طريق النزول والظهور. وإمّا أن يكون من الكثرة إلى الوحدة، ومن المنتهى إلى المبدأ، الذي هو طريق الصعود والبطون، فإن كان الأوّل فهو أعظم فيجتهد في الاطلاع على النقطة أوّلا، ثمّ على ما صدر منها من النفس والهيولى والطبيعة والجسم الكلّي والأفلاك والعناصر والمواليد. وإن كان الثاني، وهو أظهر وأمتن، فيجتهد في الاطلاع على هذه الموجودات بعكس ذلك، وذلك لأنّ كلّ من اطّلع على النقطة الوجودية والذي تحتها، كمن اطّلع على الوجود كلّه، وعلى ما في ضمنه من الأسرار والحقائق، ولاطّلاع نبيّنا على الكتب السماوية وما في ضمنها من الأسرار والحقائق، ولاطّلاع نبيّنا (صلى الله عليه وآله) على النقطة الوجودية ليلة المعراج، قال: «علمت علوم الأوّلين والآخرين»، وقال: «اللّهم أرنا الأشياء كما هي»، ولاطّلاع علي (عليه السلام) عليها قال: «أنا النقطة تحت الباء»، وقال: «سلوني عمّا تحت العرش»، وهذه النقطة هي الموسومة عند القوم بعبادان، في قولهم: «ليس وراء عبادان قرية»، وهي التي عليها مدار الوجود، كالنقطة المركزية -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 120 -------------------------------------------------------------------------------- التي إليها ينتهي خطوط الدائرة المحيطة بها، وذلك لأنّ الوجود بالاتفاق دوريّ لتقابل النقطتين المتقابلتين، اللتين هما نقطة المبدئية والنقطة المنتهائية {كَما بَدَأكُمْ تَعُودُونَ}، والأوّل والآخر والظاهر والباطن، أسمائه بهذين الاعتبارين، والأزل والأبد إشارة إليهما، {قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى} كذلك، لأنّ القوس إشارة إلى قطع الدائرة الوجودية بالخطّ الوهميّ بينهما، الفاصل بين المطلق والمقيّد والإمكان والوجوب في صورة الدائرة، والخطّ الوهمي باصطلاحهم، هو مقام القرب الأسمائي، باعتبار التقابل بين الأسماء في الأمر الإلهي، المسمّى بدائرة الوجودية، كالإبداء والإعادة، والنزول والعروج، والفاعلية والقابلية. وهذه النقطة قد يعبّر عنها بنقطة النبوّة ونقطة الولاية اللتين هما مخصوصتان من حيث الاطلاق بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام)، لأنّ النبوّة المطلقة والولاية المطلقة مخصوصتان بهما، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين»، وقول علي (عليه السلام): «كنت ولياً وآدم بين الماء والطين»(1). الثالث والعشرون : ـ ومن المعاني اللطيفة في نقطة الباء ما جاء بيانه عند السيد الإمام الخميني (قدس سره) في كتابه القيّم (الآداب المعنوية للصلاة)، فقال في الفصل الرابع في بعض آداب التسمية: روي في التوحيد عن الرضا (عليه السلام)حين سئل عن تفسير البسملة: «معنى قول القائل بسم اللّه، أي أسم على نفسي سمة من سمات اللّه وهي العبادة، قال الراوي: فقلت: ما السمة؟ قال: العلامة». إعلم، جعلنا اللّه وإيّاك من المتّسمين بسمات اللّه، أنّ الدخول في منزل التسمية لا يتيسّر للسالك إلاّ بعد الدخول في منزل الاستعاذة واستيفاء حظوظ ____________ 1- بحر المعارف: 457. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 121 -------------------------------------------------------------------------------- ذاك المنزل. ثمّ يشرح هذا المعنى وكيف يتّسم السالك بالعبودية. ثمّ في الفصل الخامس يذكر بياناً إجمالياً من تفسير سورة الحمد المباركة، ونبذة من آداب التحميد والقراءة، فيشرح معنى الباء وبأيّ شيء تعلّقه، هل للاستعانة أو الظهور وغير ذلك، ثمّ يقول: وأمّا أسرار الباء ونقطة الباء التي باطنها مقام الولاية العلوية ومقام جمع الجمع القرآني فيستلزم مجالا أوسع(1). ثمّ يقول: إلهام عرشي: اعلم أنّ في باب العرش وحملته اختلافات، وفي ظواهر الأخبار الشريفة أيضاً اختلافاً، وإن كان الاختلاف منفياً على حسب الباطن، فإنّ العرش في النظر العرفاني والطريق البرهاني يطلق على معان كثيرة، وأحد تلك المعاني ولم أره في لسان القوم هو الحضرة الواحدية التي هي مستوى الفيض الأقدس، وحملته أربعة من اُمّهات الأسماء وهي: الأوّل والآخر والظاهر والباطن، والمعنى الآخر وما رأيته أيضاً في لسان القوم، الفيض المقدّس الذي هو مستوى الأسم الأعظم وحامله: الرحمن والرحيم والربّ والمالك، ومن إطلاقاته جميع ما سوى اللّه وحامله أربعة من الملائكة: إسرائيل وجبرائيل وميكائيل وعزرائيل، والمعنى الآخر هو جسم الكلّ وحامله أربعة أملاك وهي صور أرباب الأنواع وقد اُشير إليه في رواية الكافي، وربّما اُطلق على العلم، ولعلّ المراد من العلم، العلم الفعلي للحقّ الذي هو عبارة عن مقام الولاية الكبرى وحملته أربعة من الأولياء الكمّل في الاُمم السابقة وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى على نبيّنا وآله وعليهم السلام، وأربعة من الكمّل في هذه الاُمّة: الرسول الخاتم وأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام)، فإذا علمت هذه المقدمة، فاعلم: ____________ 1- الآداب المعنوية للصلاة: 398، الطبعة الاُولى. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 122 -------------------------------------------------------------------------------- إنّه في السورة الشريفة الحمد بعد اسم اللّه الذي هو إشارة إلى الذات اختصّت بالذكر، هذه الأسماء الشريفة الأربعة وهي: الربّ والرحمن والرحيم والمالك، ويمكن أن يكون هذا الاختصاص لأنّ هذه الأسماء الشريفة الأربعة حملة عرش الوحدانية على حسب الباطن، ومظاهرها الملائكة الأربعة المقرّبون للحقّ تعالى حملة عرش التحقّق، فالإسم المبارك (الربّ) باطن ميكائيل وهو بمظهريته للرب موكل بالأرزاق ومربّي دار الوجود، والإسم الشريف (الرحمن) باطن إسرافيل منشىء الأرواح والنافخ في الصور وباسط الأرواح والصور، كما أنّ بسط الوجود أيضاً باسم الرحمن، والإسم الشريف (الرحيم) هو باطن جبرائيل الموكل على تعليم الموجودات وتكميلها، والإسم الشريف (المالك) هو باطن عزرائيل الموكل بقبض الأرواح والصور وإرجاع الظاهر إلى الباطن، فالسورة الشريفة إلى مالك يوم الدين، مشتملة على عرش الوحدانية وعرش التحقّق ومشيرة إلى حوامله، فجميع دائرة الوجود وتجلّيات الغيب والشهود التي ترجمانها القرآن، مذكورة إلى هذا الموضع من السورة، وهذا المعنى موجود جمعاً في بسم اللّه الذي هو الاسم الأعظم، وفي الباء التي هي مقام السببية، وفي النقطة التي هي سرّ السببية، وعلي (عليه السلام) هو سرّ الولاية، واللّه أعلم(1). عزيزي القارىء: هذا غيض من فيض، وقطرات من بحار فضائل أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ونبذة يسيرة في شرح نقطة باء البسملة. ولا تنكر ما لا تستوعبه، فإنّ فوق كلّ ذي علم عليم، وقد علّمنا الحكماء ____________ 1- الآداب المعنوية للصلاة: 428. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 123 -------------------------------------------------------------------------------- في مقولتهم الخالدة: «كلّ ما يقرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتّى تجد له دليلا». نحن أبناء الدليل أينما مال نميل فالحذار الحذار من المكابرة والإنكار، حينما لم نهضم ولا ندرك ولا نفهم ولا نستوعب ما جاء في بطون الكتب ومتون الأسفار. وربّ معلومات شامخة تتوقّف على علوم اُخرى، وربّ معارف سامية لا يدركها إلاّ من حاز مرتبة البلوغ، وإنّ الطفل هيهات أن يدرك لذّة الجماع ما لم يصل إلى حدّ البلوغ، فلا تعادي ما لا تعلمه، ولا تنكر ما كنت جاهله، بل اغدو عالماً ربانياً، أو متعلّماً على سبيل النجاة، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم. وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين. kr'm fhx hgfslgm [/ url [all1=#ffff00]الحياء جمال في المرأة وفضيلة في الرجل [/all1] |
|
#2
| ||||
| | ||||
اضف ردك وصوت للموضوع ولا تبخل بكلمة [/ url [all1=#ffff00]الحياء جمال في المرأة وفضيلة في الرجل [/all1] |
|
#3
| ||||
| | ||||
احسنت |
|
#4
| ||||
| | ||||
اخي الحيب تسلم عالمورور [/ url [all1=#ffff00]الحياء جمال في المرأة وفضيلة في الرجل [/all1] |
|
#5
| ||||
| | ||||
اخي الحيب تسلم عالموضوع الجميل |
|
#6
| ||||
| | ||||
مشكووووووووووووووووووووور امبراطــــــــــــــور على ردك [/ url [all1=#ffff00]الحياء جمال في المرأة وفضيلة في الرجل [/all1] |
|
#7
| ||||
| | ||||
يسلموو قلبو على الموضوع |
|
#8
| ||||
| | ||||
مشكووووووووووووور ع الموضوع __________________ |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
| |
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| [ تعديل قوالب ] هاك البسملة و السلام في بداية كل موضوع | الجوكر | عالم ارشيف المنتدى | 0 | 24/02/2008 10:45 PM |
| ريال مدريد حصد 12 نقطة من أصل 15 نقطة | R.KaKa | عالم قـنـاة ريـال مـدريـد الإخـبـاريـة | 3 | 24/04/2007 06:02 PM |
| الموسم الماضي الفريق حقق 30 نقطة في الدور الأول و الأن حقق 38 نقطة | Mr.casillas | عالم قـنـاة ريـال مـدريـد الإخـبـاريـة | 1 | 22/01/2007 05:39 PM |
هذا الموقع
برعاية : 
أول موقع مختص بالتغطيات والفعاليات الحصريه لنادي ريال مدريد, أخبار, صور, اهداف, حصريات, فيديوهات, بث مباشر للمباريات.
tags|xml|rss|external.php|sitemap.php|rss2